حقائق كونية ... تتجلّى في كتاب الله

الأربعاء، 3 ديسمبر 2014 | 0 التعليقات

في البداية:

بدأت قصتي مع هذا البحث عندما قرأت مقالة لأحد الكتّاب يهاجم الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. هذا الكاتب لم يرُق له أن يكون كتاب الله معجزًا من الناحية الكونية والعلمية. فهو يستغرب من أي حقيقة كونية يتحدث عنها القرآن تكون بعيدة عن المنطق المألوف. ويقول: إن كتّاب الإعجاز العلمي يفسرون الآيات كما يحلوا لهم ويحمّلون النصوص القرآنية غير ما تحتمل من الدلالات والمعاني والتأويل.

وسبحان الله! وبعدما قرأت هذه المقالة، وكعادتي تحوّلتُ إلى بعض المواقع العلمية لمتابعة أخبار الفضاء وجديد الاكتشافات، وبينما أقلب صفحات الإنترنت ظهرت لي مقالة غريبة بعنوان (الكون الناشئ يتكلم)!! وظننتُ بادئ الأمر أن هذا عنوان قصة من قصص الخيال العلمي أو قصيدة شعر أو قصة قصيرة، ولكن وجدتُ بأن هذا الخبر يبثه أحد أشهر مواقع الفضاء في العالم www.space.com وصاحب هذا الاكتشاف الجديد هو أحد علماء الفضاء وهو البروفيسور مارك ويتل من جامعة فيرجينيا.

لقد أثبت هذا العالم في بحثه أن الكون عندما كان في مراحله الأولى أي في مرحلة الغاز والغبار والحرارة العالية، أصدر موجات صوتية. وقد ساعد على انتشار هذه الأمواج وجود الغاز الكثيف الذي يملأ الكون والذي عمل كوسط مناسب لانتشار هذه الأصوات. هذا الاكتشاف هو نتيجة لدراسة الإشعاع الميكرويفي لخلفية الكون في مراحله الأولى بعد الانفجار الكبير.

وقلت من جديد: سبحان الله! لماذا لا يُبدي صاحبنا كاتب الهجوم استغرابه لأمر كهذا؟ وهل يملك الكون لسانًا وحنجرة ليتكلم بهما؟ وليت هذا الكاتب يعلم بأن القرآن تحدث بصراحة عن هذا الأمر! بل سوف نرى أكثر من ذلك، فقد تحدث القرآن عن أشياء أكثر دقة وبعبارات مباشرة وواضحة ولا تحتاج لتأويل، سوف نأتي الآن بأقوال هؤلاء العلماء الماديين من أفواههم، ونرى في كتاب الله تعالى حديثًا عنها، ليكون هذا إعجازًا كونيًا مذهلاً؟

أمواج صوتية تُسمع من بدايات الكون جاء في هذا الخبر العلمي الذي نشرته العديد من المجلات المتخصصة والمواقع العلمية على لسان كاتب المقال وبالحرف الواحد(1):

"The universe expanded rapidly after the Big Bang, during a period called inflation. Later, it continued to expand at a slower rate as it cooled enough for gas to condense and form stars. All this time, density variations contributed characteristics to the sound that Whittle’s team has determined.”

وهذا يعني: (لقد توسّع الكون بسرعة بعد الانفجار الكبير، خلال فترة تدعى التضخم. فيما بعد، تابع الكون توسُّعه بشكل أبطأ مما أدى إلى تبرد الغاز وتكثـفه وتشكيله للنجوم. كل هذا الوقت، ساهمت تغيرات الكثافة في تشكيل خصائص الصوت المحدد من قبل فريق ويتل). نرى من خلال تصريحات العلماء واكتشافهم أن الكون في مراحله المبكرة أي عندما كان في مرحلة الغاز الحار، وعندما بدأت النجوم بالتشكل من هذا الغاز الكوني، أصدر الكون صوتًا استمرّ حتى أصبح عمر الكون مليون سنة، وقد أمكن تحديد مواصفات هذا الصوت واتضح بأنه هادئ ومطيع، وبعد ذلك بدأت النجوم بالتشكل(1).

لقد وجدتُ في هذا الكشف الكوني الجديد إجابة عن تساؤل شغلني لفترة طويلة في محاولة لفهم معنى قوله تعالى عن الكون في بدايات خلقه: }ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ| (فصلت: 11). فقد قرأت تفاسير القرآن ووجدتُ أكثرهم يؤكد بأن كلام السماء هنا هو كلام حقيقي. فهذا هو الإمام القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ يقول في تفسير قوله تعالى: }قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين|  (وقال أكثر أهل العلم : بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى(2).

ذبذبات كونية هادئة:

ولكن هذه الحقيقة العلمية هل هي حقيقة فعلاً، أم أنها نظرية وتوقع؟ وكما نعلم لا يجوز لنا أبدًا أن نقول في كتاب الله عز وجل برأينا دون يقين وتثبّت. لذلك فقد تطلّب هذا الأمر مني جولة واسعة في عالم الأخبار العلمية الجديدة ووجدتُ بأن جميع وسائل الإعلام الغربية قد تناولت هذا الخبر، وبالطبع لم يعارضه أحد لأنه مدعوم بالمنطق العلمي والعملي.

شكل رقم (1) الترداد الصوتية التي أطلقها الكون في مراحله الأولى. يمثل الخط الأفقي تردد الأمواج الصوتية، أما المحور العمودي فيمثل مستو الصوت. كما نرى من خلال هذا المنحنى عدم وجود نتوءات حادة. بل بل هومنحنى هادئ يدل على كون مطيع لخالقة غير متمرد على أمره. ونتأمل معنى دقة البيان القرآني عندما حثنا عن كلام الكون ي مراحله الأولى أي مرحلة الغاز أو الدخان:( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) (فصلت:11).

والذي يتأمل القوانين الرياضية التي أودعها الله تعالى في الدخان أو الغاز يجد ومن خلال ما يسمى بهندسة ميكانيك السوائل أن أي غاز عندما يتمدد ويكبر حجمه يصدر عن هذا التمدد موجات قد تكون صوتية. وذلك بسبب التغير في كثافة الغاز وحركة جزيئاته واحتكاكها ببعض مما يولد هذه الأمواج.

وهذا ما حدث فعلاً في بداية نشوء الكون عندما كان دخانًا، فالتوسع والتمدد أدى إلى احتكاك وتصادم مكونات هذا الحساء الكوني الحار، وإطلاق هذه الأصوات التي تشبه حفيف الشجر. حتى إن بعض العلماء قد رسموا خطًا بيانيًا يمثل هذه الذبذبات الكونية(3)، ويوضح المخطط البياني المرفق أن الذبذبات كانت غير عنيفة بل أشبه بالفحيح.

إن هذه الآية تتحدث بوضوح شديد عن كلام للكون وهو في مرحلة الدخان، ولكن لماذا سمى الله تعالى تلك المرحلة المبكرة من عمر الكون بالدخان؟ إن هذه الكلمة هي الأقدر على التعبير عن حقيقة الكون في ذلك الزمن. فالكون كان ممتلئًا بالغاز الحار جدًا بالإضافة إلى الغبار الكوني، وكان هذا الغاز يشبه الغيوم(4). وبالفعل نجد أن العلماء استطاعوا رؤية غيوم من الغاز حول أحد النجوم البعيدة جدًا على حافة الكون المرئي، ويؤكدون أن النجوم تتشكل من غيوم الغاز هذه (4).

دقة كلمات القرآن:

إن القرآن اختصر كل هذه المصطلحات (غيوم من الغاز، غاز حار، غبار، ذرات متأينة..) اختصرها في كلمة جامعة ومعبرة وهي (دُخان)! أليست هذه الكلمة تدلّ على الغاز، وكذلك تدلّ على الحرارة، وأيضًا فيها إشارة إلى ما يشبه الغيوم؟ ليت هؤلاء العلماء قرءوا القرآن ووفَّروا على أنفسهم هذا الجهد في اختيار المصطلحات العلمية، لأن القرآن أعطانا التعبير الدقيق مباشرة فهو صادر من خالق هذا الكون وهو أعلم بأسراره!

ولكن من الأشياء الغريبة والملفتة للانتباه والتي يصرح بها العلماء اليوم ما يقوله البروفيسور ويتل في خبر علمي(5): "the cry from the birth of the cosmos can be heard".
أي (يمكننا سماع البكاء الناتج عن ولادة الكون).

وتخطر ببالي آية تحدث فيها البارئ تبارك وتعالى عن بكاء السماء فقال: }فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِين| (الدخان: 29). ولكن الأعجب من ذلك أن هذه الآية التي تتحدث عن بكاء السماء وردت في سورة الدخان!!

وهذا الخبر العلمي يعطي إمكانية حدوث الصوت والبكاء وغير ذلك مما لم نكن نفهمه من قبل. وهذا يؤكد أن كل كلمة في القرآن هي الحق، بل لماذا لا يكون هذا الصوت الكوني هو امتثال لأمر الله تعالى؟ فجميع العلماء يؤكدون أن توسع الكون وتمدد الغاز فيه أحدث هذه الأصوات ونتج عن هذا التمدد النجوم التي نراها اليوم. إذن المرحلة الثانية بعد مرحلة الغاز أو الدخان هي مرحلة النجوم، هذا ما يراه العلماء يقينًا.



شكل رقم (2) صورة لأحد النجوممحاط بسحب من الدخان. ويبدو كلمصباح المنير. فلولا هذا المصباح الكوني لم نستطع رؤية الغاز والغبار حوله. وصدق اللع تعالى عندما سمى هذه الأجسام البراقة بالمصبابيح فقا: ( وزينا السماء الدنيا بمصابيح). فتأمل!



من الدخان إلى المصابيح ولكن ماذا عن المرحلة التالية للدخان في القرآن؟ ماذا يخبرنا كتاب الله تعالى؟ لو تأملنا الآية التي تلي آية الدخان مباشرة نجد قول الحق ـ عز وجل:

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم) (فصلت: 12).

وكما نرى الآية تتحدث عن تزيين السماء بالنجوم، وهذا ما يقوله العلماء اليوم بالحرف الواحد كما رأينا!

المصابيح الكونية فجميع علماء الفضاء يقررون أن الكون كان مليئًا بغاز حار ثم تبرد وأول ما تشكل هو النجوم. والقرآن يقرر بأن السماء أو الكون كان دخانًا ثم زيَّن الله السماء بالنجوم وسماها المصابيح، وهنا لا بدّ من تساؤل:

لماذا لم يقل الله تعالى في هذه الآية بالذات: (وزينا السماء الدنيا بنجوم، أو كواكب أو مجرات...

لماذا ذكر المصابيح في هذه المرحلة من عمر الكون عندما كان دخانًا؟

ونحن نعلم من خلال معاجم اللغة العربية بأن المصباح يستخدم لإضاءة الطريق، ونعلم بأن ضوء هذه النجــوم لا يكاد يرى، فكيف سمى القرآن هذه النجوم بالمصابيح، فماذا تضيء هذه المصابيح؟
هذا التساؤل تطلب مني رحلة شائكة في عالم الاكتشافات الكونية حول الكون المبكر وتشكل النجوم والدخان الكوني، ولكن الذي أدهشني بالفعل أن العلماء التقطوا صورًا رائعة للنجوم شديدة اللمعان أو الكوازرات(9)، وأدركوا أن هذه النجوم الأقدم في الكون تضيء الطريق الذي يصل بيننا وبينها، وبل بواسطتها استطاع العلماء دراسة ما حولها واستفادوا من إضاءتها الهائلة والتي تبلغ ألف شمس كشمسنا!! لذلك أطلقوا عليها اسمًا جديدًا وغريبًا وهو (المصابيح الكاشفة) أي flashlights ، وسبحان الذي سبقهم إلى هذا الاسم فقال عن النجوم التي تزين السماء: }وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم| (فصلت: 12).

ألا نرى من خلال هذا الاسم التطابق الكامل بين ما يكشفه العلم من حقائق كونية يقينية، وبين كلمات القرآن الكريم؟ ولكي يكون كلامنا موثقًا وعلميًا وفيه رد على أولئك المشككين بالإعجاز العلمي والكوني لكتاب الله تعالى، سوف نأتي بأقوال العلماء بحرفيتها ومن مصادرها.

لقد جاء في إحدى المقالات بعنوان: (متى تشكلت الأبنية الكونية الأولى)(6)، يقولون بالحرف الواحد:

“Since light from a quasar illuminates all of the material along its path to us, quasars serve as distant flashlights revealing the properties of the early universe”.

وهذا معناه: (بما أن النجوم اللامعة تُنير كل المادة على طول الطريق الواصل إلينا، فإن هذه النجوم تعمل مثل مصابيح كاشفة بعيدة تكشف خصائص الكون المبكر).
وقد وجدتُ بأن جميع العلماء عندما يتحدثون عن هذه النجوم المبكرة البرّاقة يشبهونها بالمصابيح، حتى إن أحد هؤلاء العلماء يقول (7): "they act as the brightest flashlights"

ومعنى هذا الكلام : (إن هذه النجوم تعمل مثل المصابيح الأكثر لمعانًا)(8).

إن هؤلاء العلماء عندما رأوا هذه النجوم البعيدة، رأوا تطابقًا تامًا بينها وبين المصابيح التي تضيء لهم الطريق، ولذلك سارعوا إلى تسميتها بهذا الاسم، وسبحان من سبقهم إلى هذا الاسم، كيف لا يسبقهم وهو خالق المصابيح وخالق الكون!

ونتساءل...

ما معنى هذا التطابق والتوافق بين ما يكشفه العلماء في القرن الحادي والعشرين وبين كتاب أُنزل قبل أربعة عشر قرنًا؟ وما معنى أن يسمي العلماء الأشياء التي يكتشفونها تسميات هي ذاتها في القرآن وهم لم يقرءوا القرآن؟

إنه يعني شيئًا واحدًا وهو أنكم أيها الملحدون المنكرون لكتاب الله وكلامه، مهما بحثتم ومهما تطورتم ومهما اكتشفتم، فسوف تعودون في نهاية الطريق إلى هذا القرآن، وسوف ترجعون إلى خالقكم ورازقكم والذي سخر لكم هذه الأجهزة لتشاهدوا خلق الله تعالى وآياته ومعجزاته، والذي تعهّد في كتابه بأنه سيُريكم آياته في الآفاق وفي القرآن حتى تستيقنوا بأن هذا القرآن هو كلام الله الحق. فهل تبيّن لكم الحقّ؟



شكل رقم(3): المراحل التي اكتشفها العلماء حديثا لنشوء وتشكل النجوم من الدخان. فجميع العلماء يؤكدون أن المرحلة التالية للدخان هي مرحلة تشكل المصابيح أو النجوم شديدة اللمعان. وهذا ما أخبرنا به القرآن عندما تحدث عن الدخان أولا (وهي دخان). ثم تحدث في الآية التالية مباشرة عن النجوم اللامعة: (وزينا السماء الدنيا بمصابيح)، فهل جاء هذا الترتيب بالمصادفة أم هو بتقدير الله سبحانه وتعالي القائل:(ذلك تقدير العزيز العليم).



إذن استمعوا معي إلى هذا البيان الإلهي المحكم:

(سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (فصلت: 53 ـ 54)

وجوه متعددة لإعجاز الآيات:

في الآيتين السابقتين عدة معجزات لا يمكن إنكارها، وسوف نناقش هذه المعجزات دون أي تأويل، بل سنبقى في المعنى المباشر والواضح للآيات. وسوف نرى أن هذه المعاني شديدة الوضوح، وبما يتناسب مع الاكتشافات الكونية الحديثة.

1 ـ  فالآية الكريمة تتحدث عن مرحلة مبكرة من عمر الكون في بدء الخلق، عندما كان الغاز الحار يملأ الكون، وهذا ما نجده في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ).

2 ـ   لقد عبرت الآية أيضًا عن حقيقة الكون وقتها بكلمة واحدة هي: (دُخَانٌ)، وهذه الكلمة تعبر تعبيرًا دقيقًا عن حقيقة تلك المرحلة من عمر الكون واختصرت الجمل الكثيرة التي يطلقها العلماء للتعبير عن تلك المرحلة بكلمة واحدة فقط. وهذا إعجاز مذهل للقرآن الكريم في دقة كلماته وتوافقها مع العلم الحديث والحقائق اليقينية.

3 ـ   تحدث القرآن عن قول السماء في ذلك الوقت وطاعتها لخالقها، وقد يستغرب البعض من هذا الأمر، فكيف تتكلم السماء؟ ولكن الأبحاث والاكتشافات الجديدة أثبتت إمكانية إصدار الأمواج الصوتية من الكون في مرحلة الدخان أو الغاز.

4 ـ   لقد حددت الآية المرحلة التي تكلمت فيها السماء، وهي مرحلة الدخان، وهذا ما اكتشفه العلماء اليوم. فهم وجدوا بأن الكون في مرحلة الغاز الحار والغبار أصدر موجات صوتية نتيجة تمدده.

5 ـ   المنحنيات البيانية التي رسمتها أجهزة الكومبيوتر لكلام الكون جاءت متناسبة مع قوله تعالى: (أَتَيْنَا طَائِعِينَ) فهذه المنحنيات لم يظهر فيها أية نتوءات حادة أو عنف أو تمرد، بل كما أكد العلماء كان صوت الكون هادئًا وشبهوه بصوت الطفل الرضيع!

6 ـ   يقول العلماء: إن المرحلة التالية للدخان (أو الغاز الحار والغبار) كانت تشكل النجوم اللامعة أو الكوازارات، وعندما درسوا هذه النجوم وجدوها تعمل عمل المصابيح فهي تكشف وتنير الطريق الواصل إلينا ويمكن بواسطتها رؤية الأجسام المحيطة بها. والإعجاز الأول هنا يتمثل في السبق العلمي للقرآن في تسمية هذه النجوم بالمصابيح، بما يتطابق تماما مع ما يراه العلماء اليوم. أما الإعجاز الثاني فيتمثل في أن القرآن حدد المرحلة الزمنية التي تشكلت فيها هذه النجوم وهي المرحلة التالية لمرحلة الذخان(9).

7 ـ   إننا نجد في قول الله تعالى: }وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ|، حديثًا عن زينة السماء بالنجوم البراقة، وهذا ما يتحدث عنه العلماء اليوم. فهم يشبهون هذه النجوم والمجرات والتي تشكل النسيج الكوني باللآلئ التي تزين السماء!! وهذا سبق علمي للقرآن في استخدام التعابير الدقيقة والمتوافقة مع الواقع(9).

8 ـ  لو تأملنا النص القرآني لوجدنا بأن الخطاب فيه موجه للكفار الذين لا يؤمنون بالخالق تبارك وتعالى:

}قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم| (فصلت:9 -12)

وهذا يشير إلى أن هؤلاء الملحدين هم من سيكتشف هذه الحقائق الكونية، وهم من سيراها، وهذا سبق علمي للقرآن في تحديد من سيرى هذه الحقائق، لذلك وجَّه الخطاب لهم.

خاتمة: 

في هذه الوجوه المتعددة ردّ على دعوى أولئك الذين يهاجمون الإعجاز العلمي لكتاب الله تعالى، وردّ على كل من يعتقد بأن المسلمين ما داموا متخلفين علميًا وتقنيًا، فلا يجب عليهم أن يبحثوا في الإعجاز العلمي! وردّ على من يقول بأن المسلمين ينتظرون دائمًا الغرب الملحد ليقدم لهم الحقائق والاكتشافات العلمية، ثم ينسبوا هذه الاكتشافات للقرآن.

بل على العكس من ذلك! ففي اكتشافات الغرب لهذه الحقائق وحديث القرآن عنها بدقة مذهلة وخطاب القرآن لهؤلاء الملحدين، في كل ذلك أكبر دليل على صدق كتاب الله تعالى، وأنه كتاب حقّ. ولو كان هذه القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم، لنسبَ هذه الاكتشافات لنفسه، لماذا ينسبها لأعدائه من الملحدين ويخاطبهم بها؟؟

وفي نهاية هذا البحث لا نملك إلا أن نسجد خشوعًا أمام عظمة كتاب الله تعالى وأمام عظمة إعجازه، ولا نملك إلا أن نردّد قول الحق جلّ وعلا: }وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ|

الهوامش

(1) مقالة بعنوان (الكون الناشئ يتكلم) حول اكتشاف العالم الفلكي مارك ويتل من جامعة فيرجينيا. البروفيسور مارك ويتل هو مكتشف الصوت الكوني، المقالة موجودة على موقع الفضاء على الرابط التالي:  http://www.space.com

(2) انظر تفسير القرطبي حول قوله تعالى: }ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ| (فصلت: 11).

(3) انظر مقالة بعنوان: (الكون بدأ بفحيح وليس انفجار) على الرابط:

http://www.newscientist.com/article.ns?id=dn5092

(4) مثلاً انظر الروابط:

http://abyss.uoregon.edu/js/images/qhalo.mpg
http://abyss.uoregon.edu/js/images/NGC604.gif
http://abyss.uoregon.edu/js/glossar...r_cluster.html

(5) هذه التصريحات جاءت في مقالة بعنوان: (سماع بكاء ولادة الكون) على أخبار bbc في خبر منشور بتاريخ 23/6/2004 والرابط هو:

http://news.bbc.co.ukhi/stm03832711/sci/tech

(6) هذه المقالة متوفرة على موقع وكالة ناسا للفضاء على الرابط:

http://map.gsfc.nasa.gov/m_uni/uni101firstobj.html

(7)  في مقالة بعنوان: (الأبعد في الكون) متوفرة على الرابط:

http://www.xs4al.nl/carlkop/xquasar.html

(8) وهذا قول لأحد العلماء، وهو كريستوفر تشرشل من قسم الفلك والفيزياء بولاية بن، حيث يقول واصفًا الكوازار كمصباح كوني: (إن إضاءة نجم لامع تعادل 1018 شمس كشمسنا

"A typical quasar's luminosity is somewhere in the order of 1018 suns," Churchill said, describing the quasar as a cosmic flashlight.

المقالة متوفرة على الرابط:

http://www.collegian.psu.edu/asp10-01dnews...archive

(9) انظر مقالة بعنوان (لمحة عن النسيج الكوني) لثلاثة من علماء الغرب الأكثر شهرة في هذا المجال وهم: عالم الفلك بول ميلر من معهد الفيزياء الفلكية بألمانيا، وجون فينبو من نفس المعهد، وبارن تومسون من معهد الفيزياء والفلك بالدانمارك، كما يرجى الاطلاع على التفاصيل على موقع المرصد الأوروبي الجنوبي بألمانيا على الرابط:
http://www.eso.org/outreach/html.01-11-press-re..pr

المراجع

(1)   مقالة بعنوان: (الانفجار الكبير تكلّم مثل همهمة عميقة) على الرابط:

http://www.newscientist.com/artical.nsid=4320

http://www.npl.washington.edu/AV/wav.2_BigBangSound

(3) مقالة حول الثقوب السوداء والصوت الذي تصدره هذه الأجسام الثقيلة، على الرابط:

http://www.space.com/scienceastronom...html.0309_te

(4) مقالة حول تشكل النجوم على الرابط:

http://www.space.com/html.030211_scienceastronom...ry

(5) مقالات حول الانفجار الكبير على موقع العالِم الجديد:

http://www.newscientist.com/article.ns?id=dn3963
http://www.newscientist.com/article.ns?id=dn4879
http://www.newscientist.com/article.ns?id=dn3821

(6) مقالة حول الأصوات التي أصدرها الكون:

http://www.sfgate.com/cgi-bin/articl..ng9raor0b1.dt

(7) مقالة بعنوان (أصوات في الفضاء) على الرابط:

http://www.space.com/scienceastronom...ay_030922.html

(8) مقالة حول الأمواج الصوتية الأولى وتأثيرها على الكون، بعنوان:

First Sound Waves Left Imprint on the Universe

على موقع الفضاء:  www.space.com

(9) مقالات حول النجوم البراقة أو الكوازارات، على الروابط:

http://www.sdss.org/news/releases/20010803.darkage.htm

http://map.gsfc.nasa.gov/m_uni/uni_101firstobj.html

دلالات السياق القرآنية على وجود الثقوب السوداء

| 0 التعليقات

سعيد حمود اليامي
يعتبر موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم من المواضيع المتميزة بعطائها المتجدد مع تعاقب الزمن، حيث يجد الناس كل حين ما يتوافق أو يشير إلى أشياء تعتبر كشفًا جديدًا، لأنها مما لم يطّلع عليه إنسان من قبل.
وفي عصرنا هذا وجد أهل العلم بين دفتي المصحف الكثير من مواضيع الإعجاز أكثر مما سبق في شتى مجالات العلوم. حتى إن هناك من العلماء من دخل إلى رحاب الإسلام بعد أن اطّلع على نور الإعجاز العلمي الذي يدل على أن القرآن منزّل من رب العالمين مصداقًا لقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق). وفي مقالنا هذا عن الثقوب السوداء، وحالات النجوم بعد فراغ وقودها النووي ـ والذي يعتبر من المواضيع الحديثة والشيقة في الفيزياء المعاصرة ـ سوف أستعرض الإشارات إليها في آيات القرآن الكريم، والتي سبقت كشوف علماء عصرنا، مع الحرص أن لا يكون هناك أي تأويل لتلك الآيات غير مؤيد بالدليل على صحته، كما أنني سأوضح تلك الدلالات التي يمكن استنباطها من ذات النص أو السياق لتأييد الاستدلال. ولذلك فإني قد أوردت النصوص المفسرة للآيات التي استدللت بها.

وكان معظم اعتمادي على تفسير ابن كثير الذي يعتبر من أكثر كتب التفسير تداولاً وذلك بعد الاطّلاع على معظم كتب التفسير.
هذا وأرجو من الله أن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا في اجتهادنا وما وصلت إليه عقولنا سعيًا وراء التفكر في ملكوته ـ جل وعلا ـ كما أمر سبحانه.

أولاً: النجوم مصابيح السماء: يتغنى فيها الشعراء ويهتدي بها المسافرون ولكن العلماء يعرفونها بأكثر من ذلك، فهي عبارة عن كتل هائلة في الفضاء تحدث عليها اندماجات نووية يتحول بموجبها الهيدروجين إلى هليوم مُطْلِقًا كميات مهولة من الطاقة على شكل حرارة وضوء مثلما يحدث في القنبلة الهيدروجينية.

إن ظواهر التوازن من حكمة الله سبحانه في تدبير الكون. وإن إعطاء النجوم كل ذلك الكم من الحرارة والضوء للكواكب المحيطة (اللازمة لأسباب الحياة كما في كوكبنا) تضمن بقاءها في حالة الاستقرار؛ لأن ضخامة كتل تلك النجوم يقتضي أن تكون قوى الجذب هائلة أيضًا باتجاه مركز كل نجم. وهذه القوى انكماشية تدفع النجم للتقلص على نفسه. إلا أن الاندماجات النووية في النجم هي في الحقيقة قوى انفجارية تدفع النجم إلى التمدد بعيدًا عن مركزه في نفس الوقت؛ لذلك يبقى النجم مستقرٌّا إلى ما شاء الله في ظل توازن هاتين القوتين:
قوى الجذب الثقالي باتجاه مركز النجم.
القوى الانفجارية للاندماجات النووية بعيدًا عن مركز النجم.

لقد ظلت النتائج دائمًا مقنعة بالنسبة للفلكيين الذين اعتمدوا الرصد والمراقبة لفهم النجوم بشكل رئيس. ولكن أولئك الذين فضّلوا اللجوء إلى المعادلات الرياضية كان الموضوع أكثر تشويقًا لمتابعة البحث والمقارنة خصوصًا مع وجود النظريات الحديثة في الفيزياء وتحديدًا نظرية النسبية العامة التي كانت دومًا الأداة المفضلة عند سبر أغوار الكون الفسيح.

ومن المعلوم أن النجم يبقى في حالة الاستقرار حتى ينفد وقوده النووي (كلما زاد حجم النجم كلما ازدادت سرعة الاستهلاك) وحينئذ تتهاوى إحدى قوى الاستقرار ويصبح النجم تحت قوى الجاذبية المهولة التي ستتسلم زمام الأمور في مصير النجم.

إن الأبحاث والنتائج التي تصف الأمور التي ستحصل بعد ذلك تعتبر حديثة نسبيٌّا ولكنها اكتسبت زخمًا كبيرًا واهتمامًا واسعًا بين المتخصصين بل وحتى العامة من الناس ذوي الاطّلاع الجيد الذين جذبتهم بما تطرحه من أشياء لم تكن تخطر على أصحاب الخيال الواسع؛ لذلك فإنه قد أصبح العالم المقعد (ستيفن هوكنج) من أكثر العلماء شهرة بعد أبحاثه الطويلة في هذا المجال، (ومن هنا فقد حرصت على قراءة ما توفر لي من كتبه أو مقالاته). تفيد النظريات الفيزيائية أن النجم بعد نفاد وقوده لا بد أن ينتهي إلى إحدى حالتين تبعًا لكتلته الأصلية وتناسبًا مع الكتلة الحرجة التي قام بحسابها العالم الهندي (شاندر اسيخار) ـ حتى إنها أحيانًا تسمى (كتلة شاندر اسيخار) ـ وهي تساوي أحيانًا كتلة الشمس. وهاتان الحالتان هما:

1 - أن تكون كتلة النجم ضمن حدود الكتلة الحرجة، وفي هذه الحالة سينكمش النجم بفعل جاذبيته حتى يستقر عند حجم معين بسبب القوى المضادة الناشئة عن مبدأ (باولي) في الاستبعاد ليستقر على أحد الشكلين:
القزم الأبيض، ويكون نصف قطره عدة آلاف من الأميال وكثافته عدة أطنان للإنش المكعب، وقد تم رصد عدد كبير من هذه الأقزام البيضاء في مجرّتنا.
النجم النيتروني ويكون نصف قطره بضع عشرات من الأميال ولكن كثافته من رتبة ملايين الأطنان للإنش المكعب، وقد تم رصد النجوم النيترونية منذ عام 1967م بعد ملاحظة نبضات أمواج الراديو التي كانت تشعُّها.
2 - أن تكون كتلة النجم أكبر من الكتلة الحرجة، وهنا ينكمش النجم بشدة ولا تفلح أية قوة في إيقاف هذا التقلص الذي يسحق الذرات والأنوية في كثافة مريعة إلى أن تؤدي إلى نشوء ما يسمى بالثقب الأسود والذي لا يمكن لأي شيء أن يفلت من قواه الجاذبية حتى الضوء نفسه. وعند ذلك يُشكِّل منطقة معتمة في الكون تتوقف عند الدخول إليها كل الحسابات.

نسيج الفضاء:
إن الطريقة الوحيدة التي يتلاءم بها تصورنا للفضاء مع النظريات الحديثة هو توصيفه على هيئة النسيج، وكل نقطة على هذا النسيج تحدد بأربعة أبعاد واختصاراً نعرفها بكلمة أزمكان ـ ثلاثة مكانية وواحد زماني ـ وتمثل أية كتلة في هذا الزمكان (كما يعرف اختصارًا) بانحناء في بنيته المستوية، وهذا الانحناء يتناسب عمقه مع مقدار الكتلة المكثفة في الحيز، وفي حالة الثقب الأسود فإن شدة الكتلة المتكاثفة في منطقة ضئيلة تؤدي إلى انحناء المتصل الزمكاني بشدة حتى ينفرط وتحدث به فجوة يكون الثقب الأسود مركزها وليس مجرد تشوه في الزمكان كما هو الحال مع الكتل الاعتيادية. وعلى أعتاب ذلك الثقب الأسود تصبح كل قوانين الفيزيائية التي لدينا بلا فائدة وتغدو التصورات غامضة بين الخيال الجامح للبعض وبين الإحساس بالعجز التجريبي؛ لأنه لا يوجد مكان في الكون يعرف بأنه ثقب أسود على وجه التأكيد حتى وقت كتابة هذا البحث، وكل ما لدينا هو أماكن متناثرة في مجرات بعيدة يرشح العلماء أنها ثقوب سوداء كما في منبع الأشعة السينية المعروف باسم Cygnus X - 1 ولذلك أتوقف عن الخوض أكثر من ذلك بشأن الثقوب السوداء بعيدًا عن الخوض في التفاصيل الأخرى؛ لأن ما سبق يكفي للوصول إلى ترجمة تقريبية لفكرة بحثي بعيدًا عن التعقيدات الشائكة التي ما تزال مثار بحث واستقصاء بين العاكفين على التحقيق في هذا المجال

.
بيان آيات الله في رحاب الكون:
إنه بتفهم كل ما سبق من النتائج والأبحاث العلمية، ومقارنة ذلك بآيات القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أرى أن هناك إشارات واضحة إلى ما يمكننا التعبير عنه بأنه وجوه من التفسير العلمي في القرآن وسأعرضها على محورين:
المحور الأول: يقول المولى ـ جلّت قدرته: (وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِقِ * وَمَآأَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ). لقد ذكر المفسرون ـ حسب اجتهاداتهم ودون الاستناد إلى نص قاطع من القرآن أو السنة ـ أن المقصود بذلك هو النجم الذي يظهر ليلاً ويختفي نهارًا، كما ورد في تفسير ابن كثير بقوله: (يقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة، ولهذا قال تعالى: (وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِق) ثم قال: (وَمَآأَدْرَاكَ مَا الطَّارِق) ثم فسره بقوله: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ). قال قتادة وغيره: إنما سمي النجم ثاقبًا لأنه إنما يُرى بالليل ويختفي بالنهار. ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: (نُهِيَ أن يَطْرُقَ الرجلُ أهله طُروقًا، أي يأتيهم فجأة بالليل). وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء (إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن). وقوله تعالى (الثَّاقِبُ)، قال ابن عباس: المضيء وقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان). انتهى نص التفسير(1).
مقارنة المشاهدات الكونية مع ألفاظ القرآن قد تبين ما غاب عن المفسرين: القرآن هو كلمة الحق التي نزلت من لدن عليم حكيم. فكل حرف وكل كلمة بين دفتي المصحف مقصودة في موضعها وترتيبها، وليس اعتباطًا كما في أغلب كلام البشر. ولقد شدت انتباهي الآيات الثلاث الأولى من سورة الطارق للتأمل والتفكير بأنه ربما قصد بها الثقوب السوداء التي لم تتكشف حقائقها إلا في عصرنا الحاضر؛ إذ إنه لم يكن ممكناً يمكن أن يشير إليها أي من مفسري القرون الماضية، والقرآن الكريم لكل زمان ومكان فكان من البدهي أن نجد فيه ما يتلاءم مع علومنا الحاضرة مع التسليم بأنه ليس من المقبول أن يتم تأويل الآيات دون الاعتماد على منطق تفسيري صحيح؛ لأن خلاف ذلك يكون أشبه بِلَيِّ عنق الآيات لتوافق الفكرة المطلوبة. ولذلك فإني اتجهت إلى تتبع وإحصاء ورود عبارة (وَمَآأَدْرَاكَ) التي وردت في الآية الثانية من سورة الطارق من خلال استقراء نصوص القرآن الكريم، وباستخدام الحاسب الآلي لاستخراج هذه اللفظة، فتوصلت إلى النتائج التالية: وردت صيغة الاستفهام (وَمَآأَدْرَاك) اثنتا عشرة مرة في القرآن الكريم غير ورودها في الآية الثانية من سورة الطارق كالتالي:
(وَمَآأَدْرَاكَ مَاالْحَآقَّةُ) الآية 3 من سورة الحاقة.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَاالْحُطَمَة) الآية 5 من سورة الهمزة.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَاالْعَقَبَةُ) الآية 12 من سورة البلد.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَاالْقَارِعَة) الآية 3 من سورة القارعة.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَاسِجِينٌ) الآية 8 من سورة المطففين.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَاسَقَرُ) الآية 27 من سورة المدثر.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَاعِلِيُّونَ) الآية 19 من سورة المطففين.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَالَيْلَةُ الْقَدْر) الآية 2 من سورة القدر.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَاهِيَهْ * نَارٌ حَامِيَة) الآيتان 10و11 من سورة القارعة.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَايَوْمُ الدِينِ) الآية 17 من سورة الانفطار.
(ثم مَآأَدْرَاكَ مَايَوْمُ الدِينِ) الآية 18 من سورة الانفطار.
(وَمَآأَدْرَاكَ مَايَوْمُ الْفَصْل) الآية 14 من سورة المرسلات.
ونلاحــظ أن كل ما سبق من المجالات المقترنة بتلك الصيغة هي من الغيبيــات التي يجهلهـا الناس ولا يدركونها بحواسهم ولا يعاينوها في واقعهم.
ثم من الملاحظ أن لفظة (وَمَآأَدْرَاك) تقال في كلام العرب عندما يتحدث من يعلم شيئًا إلى من يجهله مع عظم أمر ذلك الشيء، وبما أن الطارق الوارد في الآيات قد سبقه نفس الاستفهام (وَمَآأَدْرَاكَ مَاالطَّارِقُ) فإنه من المستبعد أن يكون المراد به مقصوراً على النجم الظاهر بالليل والذي يراه الناس ويأنسونه بحياتهم اليومية، وإنما الأقرب ـ بعد التوضيح العلمي ـ أن نقول: إن ذلك فيه إشارة إلى الثقب الأسود الذي هو في أصله نجم أصيب بحالة من الانهيار جعلته يصبح ثقبًا في بنية السماء، يقول الحق تبارك وتعالى: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ).

المحور الثاني: مصير الشمس
الحديث عن إعجاز القرآن في الإشارة إلى مصائر النجوم بعد انطفائها نكتفي هنا بالحديث عن شمسنا عندما يشاء الله أن ينتهي عمرها ويذهب نورها، لأنها بطبيعة الحال نجم كمثل غيرها من النجوم تخضع لحسابات الانكماش والكتلة الحرجة.
يقول ـ تبارك وتعالى ـ في أول سورة التكوير: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِرَتْ) والتكوير في لغة العرب هو جمع الشيء إلى بعضه وثنيه داخل نفسه مثل لف الثياب إلى بعضها؛ ورد في تفسير ابن كثير: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِرَتْ) يعني أظلمت.

وقال العوفي عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت، وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها، وقال سعيد بن جبير: (كُوِرَت) غورت. وقال الربيع بن خثيم: (كُوِرَتْ) يعني رمي بها. وقال أبو صالح: (كُوِرَتْ) أُلقيت، وعنه أيضًا: نُكّست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه إلى بعض، فمعنى قوله (كُوِرَت) جُمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبدالله الأودي حدثنا أبو أسامة عن مجاهد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِرَتْ) قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحًا دبورًا فتضرمها نارًا. وكذا قال عامر الشعبي.

علماً بأن الحسابات الحديثة عند تطبيقها على شمسنا تشير إلى أنها في حالة انطفائها لن تصبح ثقبًا أسود أو نجمًا نيوترونيٌّا بل ستتقلص في الحجم (تتكور) بفعل سيادة قوى الجاذب بها حتى تستقر في حجم محدد هو ما يسمى (بالقزم الأبيض).
وقد جاء السياق القرآني داعمًا لذلك، فإنه بعد ذكر تكور الشمس وانكفائها على نفسها لم يرد مباشرة ما يشير إلى انفراج السماء أو حدوث ثقوب بها على عكس سياق الآية 8 من سورة المرسلات حيث يقول تعالى: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ).

وجاءت الآية 9 بعدها مباشرة بهذا النص:(وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ). إنه بعد الإشارة إلى انطفاء كل النجوم ـ بما في ذلك ذوات الكتل الهائلة والتي ستصبح ثقوبًا سوداء ـ وردت مباشرة الإشارة إلى انفراج السماء وثقبها وهو حدث مهول كثر ذكره في مواضع عدة من القرآن بصيغ عديدة مثل: الانشقاق والانفطار، ودون الحاجة إلى ذكر السبب (انطفاء النجوم أو غير ذلك). لذلك فانطفاء النجم قد لا يكون السبب الوحيد ـ لأن الله خالق الأسباب ومدبرها كيف يشاء ـ غير أنه في الآية الوحيدة التي تتكلم عن انطفاء النجوم بكل وضوح جاءت مباشرة الإشارة إلى الحدث الأكثر رهبة وهو انفراج وتمزق بنية السماء.
هذا والله سبحانه أعلم من كل ذي علم.
المراجع:
(1) القرآن الكريم.
(2) تفسير ابن كثير.
(3) تفسير الطبري.
(4) تفسير السعدي.
(5) برنامج (القرآن الكريم) من شركة صخر لبرامج الكمبيوتر.
(6) قاموس (محيط المحيط) للبستاني.
(7) (الثقوب السوداء والأكوان الطفلة) تأليف ستيف هوكنج، ترجمة د. حاتم النجدي.
(8) موجز في تاريخ الزمان، تأليف ستيفن هوكنج، ترجمة الدكتور أدهم السمان.
(9) الشموس المتفجرة، أسرار السوبر نوفا، تأليف إسحاق عظيموف، ترجمة د.السيد عطا
(10) ما بعد أينشتاين، البحث العالمي عن نظرية للكون، تأليف ميشيو كاكو، وجنيفر ترينر، ترجمة الدكتور فايز فوق العادة.

عودة جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا

| 0 التعليقات

م. جمال عبد المنعم الكومي

روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : «
لن تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا
". 
الحالة الراهنة لشبه الجزيرة العربية:

وأرض العرب المقصودة في كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي شبه الجزيرة العربية, التي تقع ضمن حزام الصحراء الممتد بين خطي عرض 15ْ, ْ30 شمالي خط الاستواء وجنوبه.


هذه الخريطة مستوحاة من الخريطة التي وضعها الفلكي وعالم الرياضيات اليوناني بطليموس للجزيرة العربية في القرن الثاني قبل الميلاد (المصدر: مجلة الثقافة العالمية العدد 65)


والرطوبة النادرة والجفاف الشديد هما أبرز السمات المميزة للمناطق الصحراوية بصفة عامة, فقد تشهد بعض الجهات الداخلية وخاصة الربع الخالي في شبه الجزيرة العربية سنوات بطولها دون أن تتلقى قطرة مطر واحدة (دكتور صلاح الدين بحيري «جغرافية الصحارى العربية» ص 12,13.), وهذا بدوره يكون له أثر على الغطاء النباتي والزراعي, حيث ينتشر اللون الأصفر ـ لون الرمال القاسية الملتهبة ـ ولا يستثنى من ذلك إلا بعض المناطق الساحلية التي تسقط عليها بعض الأمطار, والواحات المتناثرة بالقرب من الآبار والعيون.

وقد وصف المولى ـ عز وجل ـ بعض أرض العرب وصحرائها, حين قال في كتابه الكريم على لسان سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام: {
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم
} (إبراهيم: 37) وهو وصف يدل على حالة الجدب والقفر والجفاف الذي تعيشه شبه الجزيرة العربية منذ عهد إبراهيم الخليل -عليه السلام.
فإذا كانت هذه هي السمات العامة لمعظم أراضي شبه الجزيرة العربية, فكيف يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنها ستصبح أرض مراع وأنهار في آخر الزمان؟! لاشك أن معنى الحديث غريب وعجيب, يصعب على العقل فهمه أو تفسيره.

والمعنى الظاهر للحديث: أن صحراء شبه الجزيرة العربية ستغطيها المروج ـ أي المراعي ـ والأنهار, في آخر الزمان قبل قيام الساعة, وقوله: «حتى تعود» يدل على أنها كانت كذلك في وقت سابق, وأنها ستعود إلى حالتها الأولى, وأن طبيعتها الصحراوية الجافة هي حالة طارئة عليها..

فالحديث في الواقع يتضمن حقيقة ونبوءة وإعجازا خبريًّا وآخر علمياً.

فالحقيقة : أن شبه الجزيرة العربية كانت في الماضي أرضا ذات مراع وأنهار, ثم طرأت عليها الحالة الصحراوية الراهنة..

والمعجزة الإخبارية: أن الأنهار والمسطحات الخضراء ستعود ثانية إلى شبه الجزيرة العربية في آخر الزمان قبل قيام الساعة..

وقد استغرق هذا الحديث أربعة عشر قرنا من الزمان لكي يفهم على هذا الوجه الصحيح, حدث ذلك بعد التقدم الهائل في علوم الجيولوجيا والتاريخ المناخي والفلك وغيرها, وبعد العديد من أعمال الحفر والتنقيب بصحراء شبه الجزيرة العربية, والتي تثبت لغير المسلمين ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ صدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإعجاز العلمي في هذا الحديث, وسنعرض لهذه الحقيقة العلمية التاريخية والأبحاث والاكتشافات التي تؤكدها, كما سنعرض الدلالات العلمية التي تقيم الحجة والبينة بنبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مَن علم هذا وعرفه.
الحقيقة العلمية: شبه الجزيرة العربية في الماضي "أرض ذات مراع وأنهار"

تؤكد المكتشفات العلمية الحديثة ما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث المعجز, من أن شبه الجزيرة العربية لم تكن صحراء بالمعنى المتعارف عليه حاليا, بل كانت أرضا خضراء تتدفق فيها الأنهار, وتترقرق في بعض نواحيها البحيرات الواسعة, وتنهض في ما أصبح بادية بعد ذلك ـ مدن على حظ كبير من التقدم الزراعي والحرفي.
شبه الجزيرة العربية في الماضي

كان ذلك في مرحلة متقدمة من حقبة جيولوجية تُعرف باسم «الحقبة البليستوسينية كما يقول علماء الجيولوجيا( يقسم العلماء التاريخ الجيولوجي للأرض إلى أزمنة, وفقا للخصائص العامة للحياة في كل زمن, وينقسم كل زمن إلى عصور تبعا لأنواع وأشكال الحياة التي وجدت فيه, والتي تعرف من الحفريات التي ترسبت في طبقات الصخور التابعة لذلك العصر ) «pleistocenc» والتي بدأت قبل أكثر من مليون سنة, وانتهت منذ عشرة آلاف سنة خلت, وخلال هذه الحقبة من الزمن ساد الأرض مناخ بارد وغطت الكتل والمسطحات الجليدية الضخمة الأجزاء الشمالية من أوروبا وأمريكا الشمالية ـ حتى وصل الجليد إلى شمال فرنسا ـ فيما أطلق عليه العصور الجليدية «Glacials» إلا أن الجليد كان يذوب خلال الفترات الأدفأ ـ والتي عرفت باسم «الفترات بين الجليدية Interglacials» ـ فتحسن الأحوال المناخية تسحنا كبيرا(نورمان ويلن ودافيد بيز «أوائل البشر في شبه الجزيرة العربية» مجلة الثقافة العالمية, عدد 59 نقلا عن مجلة (Aramco World, August 1992).).

وكان انتشار المسطحات الجليدية في الأجزاء الشمالية ـ أثناء العصور الجليدية ـ يؤثر في مناخ الأرض فيؤدي إلى زحزحة نطاق المطر إلى الجنوب, فتدخل شبه الجزيرة العربية والصحراء الكبرى بشمال إفريقيا في نطاق الرياح الغربية الممطرة, والتي تهب الآن على غرب أوروبا ـ فيؤدي ذلك إلى أزدهار تلك الصحراوات وامتلائها بالأنهار والوديان الخصبة(دكتور إبراهيم أحمد رزقانة «الجغرافيا التاريخية الطبيعية»: ص 146 بتصرف)

وفي فترات الدفء بين العصور الجليدية تتحرك نُطُقْ الأمطار إلى الشمال فتصبح شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا ضمن نطاق الرياح التجارية ويسودها مناخ مشابه لمناخها اليوم(تحتل الصحارى العربية الجزء الأكبر من نظام كوكبي يعرف بـ «صحارى الرياح التجارية» Trade Wind Deserts وهو نظام يتسم بالجفاف الدائم.. فالقطاع الفعال من التوبوسفير, مابين 2 ـ 6 كيلومترات فوق سطح البحر ـ وهو القطاع الفعال فيما يتعلق بنشأة الاضطرابات الجوية ـ يشغله حزام متصل من الضغط المرتفع الدائم على مدار السنة, فوق أرض الصحراء والمسطحات المائية على السواء, وكما هو معروف, تقترن حالات الجفاف بصفة عامة بظروف الضغط المرتفع.. وعلى هذا فالصحراء الكبرى والصحراء العربية بوقوعها ضمن نطاق التجاريات تصنف كصحارى مناخية, أي كنتيجة مباشرة لميكانيكا الدورة الكوكبية العامة حول الأرض. بتصرف من «جغرافية الصحارى العربية» 147,149).

واستنادا إلى أبحاث الجيولوجي الأمريكي هال ماكلور ـ في رسالة دكتوراة عن الربع الخالي ـ فإن البحيرات كانت تغطي هذه المنطقة الصحراوية خلال العصور المطيرة (العصور الجليدية) وأنها ظهرت مرتين, الأولى قبل 37000 إلى 17000 سنة, والثانية بين 10000 إلى 5000 سنة خلت (مجلة آفاق علمية, عدد (42): ص 15 ).
البعثات الجيولوجية:

هذه الصورة الزاهية لشبه الجزيرة العربية, بأنهارها الرقراقة, وأشجارها الوارفة, والتي كانت شائعة في الأدبيات التراثية (نبه التراث الأدبي واللغوي العربي إلى ما شهدته شبه الجزيرة العربية من تغيرات مناخية.. فإذا تتبعت أسماء الحيوان عند العرب هالتك تلك الأسماء العديدة لحيوان واحد كالأسد مثلا, وهذا يؤكد أن تلك الأسماء قد تعددت بحكم تكاثر ذلك الحيوان وتواجده بينهم في الأزمنة الغابرة.. وكذلك الأنهار وتعدد أسمائها..

وجاء في تغريبة بني هلال: «إنه لا يخفى على أهل المعارف بأن بلاد نجد كانت من أخصب بلاد العرب, كثيرة المياه والغدران والسهول والوديان, حتى كان يذكرها شعراء الزمان بالأشعار الحسان, وتفضلها على غيرها نظرا لحسن هوائها, وكانت منازل بني هلال من سالف الأجيال ـ وما زالت ـ على رونقها الأول, حتى تغير قطرها, واضمحل عنها الحشيش والنبات, وعمت المجاعة جميع الجهات, ولم يعد فيها شيء من المأكولات حتى صارت أهاليها تأكل الحيوانات...» (تطور مناخ السعودية وأثره على هجرات البشرية) مجلة الخفجي, عدد سبتمبر 1980, ص 25), أصبحت حقيقة علمية الآن بفضل البعثات الجيولوجية الباحثة عن بصمات تلك الأزمنة الغابرة في قلب رمالها.

ومن أكبر هذه البعثات بعثة جيولوجية بقيادة بيتروايبرو من المتحف البريطاني, والتي توجهت إلى دولة الإمارات في أوائل عام 1989, واكتشفت بقايا للحياة الحيوانية تعود إلى أواخر عصر الميوسين, أي إلى حوالي 7 ملايين سنة.

والحيوانات التي عثر بيتروايبرو وزملاؤه على بقاياها حيوانات من رتبة البهيميات (وهي خرطوميات ثديية تعتبر من الأقارب البعيدة للفيلة المعاصرة) وأفراس النهر, وآكلات اللحوم الصغيرة, والجياد, ووحيدي القرن, والسلاحف والتماسيح والأسماك والطيور, وقرود تشبه الماكاك.. وواضح أن كل هذه الحيوانات من أصول حبشية.. ففي حقبة الميوسين كان البحر الأحمر مفتوحا على البحر المتوسط, ولكنه كان مغلقا من جنوبه بجسر بري قائم بين الحبشة واليمن, وفي الشرق كانت شبكة نهري دجلة والفرات تمتد إلى الجنوب أكثر مما هي عليه اليوم, وتشير أنواع الحيوانات التي عثر عليها إلى أنها قد ازدهرت في دلتا هذه الشبكة(مجلة آفاق علمية, عدد (المرجع السابق, ص: 63), ص 14 نقلا عن مجلة «نيتشر Nature» عدد 27/4/1989م ).
التصوير الفضائي:

ومع التقدم الهائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بعد, دخلت هي الأخرى حلبة السباق في البحث والكشف عن الكنوز المدفونة في باطن الأرض, مثل الآثار والمياه الجوفية والمعادن وغيرها.

وتستطيع تكنولوجيا التصوير الفضائي والاستشعار عن بعد, إعطاء علماء الآثار فكرة عامة عن الأماكن التي عليهم أن ينقبوا فيها, وهذا ما حدث في أحد أشهر الأبحاث التي أجريت في صحراء مصر عام 1981.

ففي مختبر المسح الأثري الأمريكي بولاية أريزونا الأمريكية, بينما كان الباحثون يحللون جداول معطيات جمعتها أجهزة الرادار المركبة على متن مكوك الفضاء «كولومبيا», أظهرت صور الرادار وجود منطقة تحت رمال صحراء جنوب مصر, وشمال غرب السودان, لا تهطل فيها الأمطار الآن إلا بمعدل مرة كل خمسين سنة, ولكنها تحتوي على مجاري أنهار قديمة كبيرة, بعضها أوسع من نهر النيل نفسه(يرى علماء التاريخ الطبيعي والجغرافيا التاريخية أن أنظمة نهرية تجمعت وتكونت في عصر الأوليجوسين الجيولوجي, وكونتا نهرا كبيرا أطلق عليه اسم «النهر الليبي القديم» أو الأورنيل (جد النيل) وكان يخترق الصحراء الغربية وينتهي بدلتا كبيرة في المنطقة الواقعة بين منخفض الفيوم جنوبا ووادي النطرون شمالا, وتحتوي الرواسب النهرية في هذه المنطقة على بقايا كائنات من النوع الذي يعيش في الماء العذب, مثل التماسيح وأفراس النهر بالإضافة إلى الفيلة, وتعتبر منطقة الفيوم الموطن الأصلي للفيل في العالم. (بتصرف من «مورفولوجية الأراضي المصرية» للدكتور محمد صفي الدين, ص: 50, 51 )!

بعد ذلك بعدة أشهر أثبتت البعثات التي توجهت إلى المنطقة أن أشعة الرادار كانت قد اخترقت الرمال الجافة وانعكست على الأحجار الكلسية الموجودة في قيعان الأنهار (الجافة) على عمق مترين من سطح الأرض, ووجد المنقبون عند شطآن الأنهار التي حددها الرادار أصدافا لأنواع من الحلزون البري الذي لا يمكنه العيش إلا في الأماكن الرطبة المبتلة وفي مناخ استوائي.

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن المنقبين عثروا على ألوف من الأدوات التي صنعها الإنسان في العصر الحجري, كالفؤوس اليدوية وما شابه ذلك, والتي يعود تاريخها إلى حوالي 200 ألف سنة خلت, وهذا ما جعل العلماء يعتقدون بأن تلك الصحراء كانت رطبة ومأهولة في بعض تلك العصور(مجلة آفاق علمية, عدد (17), ص 32).

وقد أجريت حديثا دراسة مشابهة لشبه الجزيرة العربية, حيث أظهرت الصور الجوية وجود مجرى لنهر قديم عملاق يخترق شبه الجزيرة العربية من الغرب ويتجه إلى الشرق, ناحية الكويت, ويختفي مجرى هذا النهر تحت كميات هائلة من الكثبان الرملية, وأوضحت الصور أيضًا أن مساحة شاسعة من شمال غرب الكويت عبارة عن دلتا لهذا النهر العملاق, ويشير هذا الكشف ـ كما ذكر الدكتور فاروق الباز(جريدة الشرق الأوسط, عدد 27/3/1993 في تحقيق أجري مع الدكتور فاروق الباز, عالم الجيولوجيا والفضاء المصري المقيم بأمريكا) ـ إلى وجود كميات هائلة من المياه الجوفية في مسار النهر القديم وإلى احتمال وجود آثار للإنسان القديم الذي لابد أنه عاش على جانبي النهر في العصور السحيقة عندما كان النهر يجري بالمياه قبل 5000 عام(لمزيد من المعلومات عن آثار الإنسان القديم التي عثر عليها حديثا في شبه الجزيرة العربية, انظر: نورمان ويلن ودافيد بيز «أوائل البشر في شبه الجزيرة العربية» مجلة الثقافة العالمية, عدد (59)).
المكتشفات الأثرية في شبه الجزيرة العربية:

وتدل التنقيبات الأثرية الحديثة على صحة هذه المعلومات, خاصة بعد اكتشاف عدد من المواقع الأثرية هي بقايا حضارات ومدنيات متقدمة, في مناطق هي الآن صحراء جافة!

ففي عام 1834م اكتشفت قلعة على مقربة من عدن, تعرف بـ «حصن الغراب» وبعد إزاحة أكوام الرمال عن أطلال هذه القلعة عثر على قطعة من الرخام وعليها نقش يقول:(1)

"لقد قضينا دهورا بين أفنية هذه القلعة في عيشة راضية لا يشوبها ضيق أو عسر, وتحيط بنا مياه البحر في حالة طغيان المدّ, وأنهارنا تفيض مندفعة غزيرة, وبين النخيل الباسقات كان حارسها يغرس الرطب الجني على ضفاف الجداول المتعرجة الدافقة بالماء أو الجافة, وكنا نصيد صيد البر بالحبال والغاب, كما كنا نخرج الأسماك من أعماق البحار, وكنا نختال في مشيتنا, رافلين في ملابسنا الحريرية الموشاة عند أطرافها, وثياب سندسية خالصة, وأردية ملونة بخطوط خضراء, وكان الملوك الذين يحكموننا منزهين عن الدناءة, أشداء على أهل الخديعة والغدر, وقد اختاروا لنا شريعة محكمة مستمدة من ديانة هود, وكنا نؤمن بالمعجزات, والبعث, وإحياء الموتى..( سيد مظفر الدين نادفي «التاريخ الجغرافي للقرآن» ترجمة دكتور عبدالشافي غنيم عبدالقادر, ص: 182 ـ 183, نقلا عن كتاب المستشرق (فورستر Forster) الجغرافيا التاريخية لبلاد العرب)».

وهذا الحصن من بقايا حضارة عاد الثانية(عاد من أمم العرب العظيمة البائدة, أسست أقدم مدينة عرفها العالم, وكانت القصور الشامخة والصروح العظيمة أكبر مظهر لتقدمهم, قال تعالى: {
ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد
} (الفجر: 6 ـ 8) وقد أرسل الله إليهم هودا ـ عليه السلام ـ فكذبوه وكفروا به.. قال تعالى: {
وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهه وإنا لنظنك من الكاذبين قال ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول رب العلمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين
} (الأعراف: 65 ـ 68) فأهلكهم الله بريح صرصر عاتيه كما قال تعالى: {
وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية
} (الحاقة: 6 ـ 7) وهؤلاء هم عاد الأولى, ونجى الله هودا والذين آمنوا معه, قال تعالى: {
ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ
} (هود: 58) وهؤلاء هم عاد الثانية), وهو يصور مدى رغد العيش والسعة والتقدم الذي كانوا يعيشون فيه.. وواضح أن هذه الصورة لا تكون في صحراء جافة.
وفي صفحات التاريخ تُذكر العديد من المدن العربية التي ذاع صيتها, وتناقل الرواة الحكايات عن تقدمها الحضاري, ونسجت حولها الأساطير والروايات, ومن أشهر هذه المدن المدينة الأسطورية «أوبار Ubar», ويعد الكشف عن أطلال وكنوز هذه المدينة إحدى المغامرات العلمية المثيرة الرائعة(أنظر مجلة الثقافة العالمية, عدد (65) ومجلة العلم والتكنولوجيا, عدد (29)).

فوجود هذه المدينة وموقعها ظلا لغزا حير علماء الآثار لسنوات خلت, وجعلهم أسرى الشكوك والتكهنات والافتراضات, فتوقعوا مواجهة صعوبات جمة في البحث عن ضالتهم المنشودة, ولكن اليوم, وبفضل تسخير الله أحدث الوسائل التكنولوجية التي تميز بها عصرنا, خصوصا التطور التقني الهائل في مجال تكنولوجيا الفضاء, تمكن العلماء من تحديد موقع هذه المدينة ونفض الغبار عنها, مما جعل عملية الاكتشاف في حد ذاتها, سابقة لا مثيل لها في علم الآثار الحديث.
لغز المدينة المفقودة:

ومدينة «أوبار» من أقدم وأشهر مدن شبه الجزيرة العربية (ربما تكون مدينة أوبار ـ كما يعتقد العديد من العلماء ـ هي مدينة «إرم» المذكورة في القرآن الكريم في قوله تعالى : {
ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد
} ويصفها القرآن بأنها: {
التي لم يخلق مثلها في البلاد
} وتذكر كتب التفسير, ومعاجم البلدان عن هذه المدينة الكثير من الروايات, تحوي مبالغات كثيرة عن عظم تلك المدينة وفخامتها (أنظر على سبيل المثال: الروض المعطار في خبر الأقطار: ص 22 ـ 24) قال ابن كثير في تفسيره؛ 4/508: «وهذا كله من خرافات الإسرائيليين» ويبقى ـ بعد استبعاد مبالغات الرواة وتهويل القصاص ـ أنها مدينة عظيمة), شيدها شداد بن عاد في صحرائها الجنوبية, وبذل النفيس والغالي في بنائها لتكون جنة في الأرض, إذا جاز التعبير..
وكان لورانس العرب أول من حلم بتحديد مكان المدينة المفقودة, وأطلق اسم «أطلنتيس الصحراء» عليها, ولكن توفي قبل أن يحقق حلمه, ثم تبعه آخرون من الرحالة الذين انطلقوا في بعثات غير مثمرة عامي 1947 و1953, ومنهم الرحالى البريطاني «برترام توماس B.Thomas» الذي استند ـ أثناء رحلته الاستكشافية ـ إلى كلام البدو الذين زودوه بعدد من الإرشادات لإيجاد الطريق إلى «أوبار» ولكنه لم ينجح أبدا في العثور عليها.

وفي بداية الثمانينيات بدأ البحث الجدي عندما وقعت بين يدي صانع الأفلام الوثائقية الأمريكي «نيقولاس كلاب N.Clapp» ـ وهو من جملة من شغفوا باكتشاف المدينة ـ المذكرات التي كتبها توماس عام 1932, وتضمنت سيرته ومجموعة تقارير علمية عن الآثار في شبه الجزيرة العربية, وفيها يشير ـ مدعوما بالأدلة ـ إلى وجود طريق قديمة إلى «أوبار», وبالإضافة إلى ذلك جمع «كلاب» معلومات أكثر حول الموضوع من مراجع ووثائق تضمنت أسماء 600 مؤرخ وعالم جغرافي ورحالة أكدوا وجود «أوبار».

نتيجة لهذا الجهد النظري قرر «كلاب» تأليف فريق بحث مهمته الانطلاق في بعثة لمدة ثلاثة أشهر لحل لغز المدينة المفقودة, وضم الفريق, المحامي «جورج هدجز G.Hedges» المسؤول عن جمع المال والتبرعات لتمويل البعثة وتنظيم أمورها, وخبيرين في شؤون الجزيرة العربية, هما عالم الآثار المعروف «جوريس زارنز J.Zarins» الذي تولى تحليل المعلومات المتوفرة, والسير «رانولف فينيس R.Fiennes» الذي كان ضمن الوحدات العسكرية البريطانية التي ساعدت الجيش العماني عام 1968, وكان على دراية كبيرة بالمنطقة.

حصلت البعثة على دعم شخصي من السلطان قابوس ـ الذي بدا مغتبطا جدا للأمر - ومن وزارة التراث العمانية, التي تبنت الفكرة وقدمت للبعثة كل عون ورعاية, وكذلك من بنك عمان الدولي ومن شركة نفط عمان.

والجدير بالذكر أن أقدم الإشارات الجغرافية إلى «أوبار» وردت في خريطة جغرافية قديمة وضعها الجغرافي السكندري «كلوديوس بطليموس C.Ptolamy» وأشار إلى وجودها في منطقة تقع على مشارف الربع الخالي حاليا, وهي صحراء غير مطروقة واجتيازها محفوف بالمخاطر, وكانت أول زيارة للبعثة لهذه المنطقة المحظورة عام 1990, ولكنها ما لبثت أن غادرتها خوفا من الوقوع في المهالك.

أما عملية البحث الجدي فبدأت في نوفمبر عام 1991, وفي أوائل 1992 - وبعد أن صرح «كلاب» بأنه بدأ يشعر بالفشل - جاء قرار البعثة بالتنقيب في منطقة «سشعر» في «ظفار», وكانت النتائج مشجعة, خاصة بعد أن تم دعم عملية الحفر باستخدام رادارات خاصة بالتربة الرملية تتغلغل في باطن الأرض.

وكان «كلاب» ـ قبل ذلك, وبالتحديد عام 1984 ـ قد طلب من عالمين في وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» مسح منطقة شبه الجزيرة العربية بواسطة رادار التصوير الفضائي المركب على مكوك الفضاء «تشالينجر» وبعد مقارنة صور المكوك مع صور أرسلها القمران الصناعيان «سبوت Spot» الفرنسي, و«لاندسات Landsat», أصبح بين يدي البعثة خريطة فريدة لمنطقة الربع الخالي, توضح طرق القوافل القديمة وخزانات المياه الجوفية ومجاري الأنهار القديمة والوديان, وكلها مناطق كان من الصعب جدا رؤيتها بالعين المجردة, إلا أنها ظهرت واضحة جلية بفضل تكنولوجيا التصوير الفضائي.

وقد أظهرت هذه الخريطة وجود طريق للقوافل مدفونة تحت الكثبان الرملية التي يصل ارتفاعها إلى 183م, وبالاستعانة بهذه المعلومات قررت البعثة الحفر قرب نقطة تقاطع طريق القوافل مع مكمن مائي قديم كشفت عنه الصور الفضائية, وهنا كانت الاكتشافات المدهشة.. قلعة محصنة مثمنة الأضلاع, ذات أبراج وجدران شاهقة يصل ارتفاعها إلى 10 أمتار, وتضم عددا من غرف التخزين وأماكن السكن.. وظهرت المدينة الأسطورية «أوبار».

وهناك أيضا الكشف عن آثار مدينة «قرية» التي تقع على ضفاف وادي «الفاو» وتبعد 280 كم إلى الشمال من مدينة «نجران» وتشرف على الحافة الشمالية الغربية للربع الخالي, وتقع على الطريق التجاري الذي يربط بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها, حيث كانت القوافل تبدأ من سبأ ومعين مارة بقرية(محمد الأسعد «حضارات قبل الإسلام» مجلة آفاق علمية, عدد (34)).

وقد بدأ التنقيب عنها عام 1972 حيث تولت المهمة جمعية التاريخ والآثار في جامعة الرياض, وأصدرت الجامعة أحد عشر مجلدا عن نتائج التنقيبات, تناولت المعادن والأواني الفخارية والحجرية والمباخر والزجاج والحلي والفخار والعمارة والمسكوكات والكتابات والنقوش, والتي ترجع «قرية» إلى القرن الثاني الميلادي.

وهكذا تؤكد كل الشواهد والبراهين العلمية والتاريخية أن الحقائق الواردة في حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صحيحة ثابتة, قالها ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أربعة عشر قرنا من الزمان, ولم يكن ثمة أجهزة تنقيب أو تصوير فضائي.. وإنما كان هناك الوحي.. {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي}.
النبوءة العلمية: عودة الأنهار إلى شبه الجزيرة العربية

يتضمن هذا الحديث النبوي الشريف ـ إلى جانب الحقيقة العلمية المبهرة والمعجزة, والتي أثبتها البحث العلمي الحديث, والمتعلقة بمناخ شبه الجزيرة العربية منذ آلاف السنين ـ يتضمن أيضا نبوءة علمية عجيبة وغريبة أخرى, ألا وهي: عودة الصورة الاصلية القديمة لشبه الجزيرة العربية.. أمطار غزيرة, وأنهار جارية, ومراع ومساحات خضراء وارفة!!

"لن تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا"

ويعتقد البعض أن ما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد تحقق الآن في شبه الجزيرة العربية, نتيجة لاكتشاف مياه جوفيه بكميات كبيرة تدفق منها العديد من الآبار والعيون الجارية (يميز الباحثون بين نوعين من المياه الجوفية: مياه سطحية بالطبقات العليا التي لا يزيد عمقها عن بضع عشرات من الأمتار تحت الأرض, وهي حصيلة الأمطار والسيول الراهنة, وأخرى بالطبقات العميقة على بعد مئات الأمتار أسفل السطح, وهي مدخرة من عصور جيولوجية ماضية.. وفي شبه الجزيرة العربية توجد خزانات جوفية عميقة (أي أنها مدخرة من العصور المطيرة في الماضي البعيد» تحت مساحات شاسعة من أرض الصحراء تقدر بنصف المساحة الكلية, ففي بعض مناطق تبوك أنزلت آبار ناجحة على عمق 800م, وفي القصيم تحفر الآبار ألف متر, وفي الجوف وسكاكا بشمال السعودية فجرت مياه الخزان الجوفي العميق منذ سنوات حيث أنزلت الآبار نحو 850م تحت السطح, فاندفعت المياه ساخنة بضعة أمتار إلى أعلى.. (بتصرف من: جغرافية الصحارى العربية, ص 185. 192. 193)) , مما مكن ـ وباستخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة ـ من استصلاح مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية وزراعتها.


(في أعلى) التغيرات الفلكية، (في اليسار) تأثير التغيرات في شدة الإشعاع الشمسي خلال فصل الصيف، (في اليمين) حجم المسطحات الجليدية الأرضية.


وهذا مخالف لظاهر كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد قال: «مروجا وأنهارا» ولم يقل «مروجا وعيونا» ومعروف أن الأنهار تتكون أساسا من سقوط الأمطار الغزيرة, وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

والظن الغالب, والتفسير الأقرب إلى المفهوم من كلامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن هذا سيحدث كنتيجة لتغير شامل في مناخ الكرة الأرضية, ينتج عنه تحرك نطق المطر بحيث تدخل صحراء شبه الجزيرة العربية فيها, مما يؤدي إلى جريان الأنهار في أوديتها الجافة, وهذا يعني ـ كما سبق أن ذكرنا ـ دخول الأرض في عصر جليدي جديد!!
مناخ الأرض المتغير

والواقع أن صورة المناخ الثابت للأرض صورة غير حقيقية, فخلال آلاف السنين ـ وهي تعد لحظات بالنسبة للتاريخ الجيولوجي ـ تحدث تغيرات هائلة في مناخ الأرض, حيث يسودها مناخ بارد وتحتل المسطحات الجليدية الهائلة مساحات شاسعة منها, ثم تبدأ درجات الحرارة في الارتفاع مرة أخرى, وينحسر الجليد, وتحدث فترة دفء.. وهكذا.

وهناك العديد من الأدلة على حدوث مثل هذه الذبذبات المناخية لخصها الأستاذ «أوستن ميلر» فيما يلي :( الجغرافيا التاريخية الطبيعية, ص 134 ـ 135)

1- المعلومات الخاصة بالأمطار وغيرها من الظواهر المناخية الأخرى, والتي سجلها الكتاب القدماء, مثل سجل الظواهر الجوية الذي دونه بالإسكندرية بطليموس في القرن الثاني الميلادي.

2- المعلومات الخاصة بالفيضانات وفترات الجفاف.

3- المعلومات الخاصة بمواعيد بذر الحبوب وضمها, ومثال ذلك أنه توجد في بعض جهات أوروبا سجلات مدون فيها مواعيد جَنْي الكروم منذ سنة 1400م.

4- البيانات الخاصة بمواعيد تجمد المواني, فمثلا توجد بالدانمارك سجلات مدون فيها مواعيد تجمد المياه عند سواحلها في فصل الشتاء منذ سنة 1350م.

5- اختلاف المسافات بين الحلقات السنوية لنمو الأشجار المعمرة (الحلقات التي تظهر في مقطع الشجرة) وقد عُمِّر بعض هذه الأشجار أكثر من 3000 سنة.

6- وجود الغابات المتحجرة في جهات لا تكفي أمطارها في الوقت الحالي لنمو الغابات, وكذلك وجود كتل الأخشاب المتفحمة في جهات شديدة الجفاف في الوقت الحاضر.

7- وجود آثار مراكز عمران قديمة في جهات لا تساعد ظروفها المناخية الحالية على العمران, مثل أنقاض مدينة «تدمر» بالصحراء السورية, والتي يقدر عدد سكانها في القديم ـ بناء على هذه الأنقاض ـ بأكثر من مائة ألف نسمة.

8- وجود آثار تدل على الزراعة في مناطق لا يسمح مناخها الحالي بالزراعة.

9- امتداد بعض الطرق حول بحيرات جافة حاليا, وكذلك قيام كباري ومعابر على مجاري مائية ليس بها ماء في الوقت الحاضر.

وغيرها من الأدلة الكثيرة التي تثبت هذه الحقيقة.

ومن الثابت أيضا «أن ظهور الإنسان الأول كان معاصرا لتغيرات مهمة في المناخ, نتج عنها ظهور الفترات الجليدية في عصر البليستوسين الجيولوجي» (المرجع السابق , ص : 136) وهي آخر الفترات الجليدية, ونعيش الآن فترة الدفء التي أعقبتها.
النظرية الفلكية للعصور الجليدية
وقد شغلت ظاهرة دخول الأرض في عصور جليدية أذهان العلماء, وأخذوا يبحثون عن الأسباب التي تسببها, ووضعوا لذلك العديد من النظريات والافتراضات, ومن أشهرها ـ الآن ـ نظرية الفلكي اليوغسلافي «ميلانكوفيتش» التي طرحها في بدايات القرن الميلادي الماضي.. فماذا قال «ميلانكوفيتش»؟ (ترجع النظرية الفلكية للعصور الجليدية إلى القرن التاسع عشر, وإلى أعمال الفلكي الاسكتلندي جيمس كرول الذي ولد عام 1821 ونشر آراءه في ثمانينيات القرن التاسع عشر, ولم تلق قبولا آنذاك, ثم أعاد ميلانكوفيتش طرحها ـ بعد أن أدخل عليها تعديلات ـ عام 1941).


لقد أرجع سبب الانقلابات المناخية على سطح الأرض إلى التغيرات التي تطرأ على ثلاثة مقادير متعلقة بهندسة مدار الأرض حول الشمس.

فالأرض تدور حول الشمس في مدار شبه دائري, ولكنه لا يثبت هكذا, بل يتغير فيمتد قليلا ليصبح إهليجيَّا, ثم يعود إلى وضعه شبه الدائري في دورة مدتها 100 ألف سنة, وعندما يكون المدار دائريا فإن الأرض تتلقى كمية مماثلة من حرارة الشمس في كل يوم من أيام السنة, أما عندما يكون المدار إهليجيا فإن كوكبنا يكون في بعض أيام السنة أقرب إلى الشمس ويتلقى مزيدا من الحرارة منه في أيام السنة الأخرى, ولكن مجموع كمية الحرارة التي يتلقاها الكوكب بأسره خلال سنة كاملة يبقى ثابتا دوما.. هذا هو التغير الأول في نظرية «ميلانكوفيتش».

أما التغير الثاني فهو في محور دوران الأرض.. فالأرض تدور حول محورها, وهذا المحور يكون مائلا على مستوى دورانها حول الشمس, بمعنى أنه إذا رسم محور متعامد على مستوى دوران الأرض حول الشمس (وهو ما يعرف بدائرة الكسوف) فإن محور دورانها يميل على هذا المحور العمودي بزاوية تتغير من ْ21.8 إلى ْ24.5 في دورة مدتها 41 ألف سنة.. وهذه الزاوية الآن 23.4 وهي آخذة في التناقص.

والتغير الثالث في هندسة مدار الأرض يتعلق أيضا بمحور دورانها, فهذا المحور الوهمي يرسم في السماء دائرة ـ وهو ما يعرف بالترنح «Precession» ويكمل المحور دورته هذه في دورة مدتها 23 ألف سنة.

هذه هي التغيرات التي تطرأ على هندسة مدار الأرض حول الشمس والتي يسببها تفلطح الأرض وعدم كمال استدارتها, وجاذبية القمر والكواكب لها, مما يجعلها تترنح في دورانها حول الشمس كما تترنح «النحلة» التي يلعب بها الصبية, وهذا بدوره يؤثر على كمية الإشعاع الشمسي الواصلة إلى الأرض خلال أيام السنة.

كان من المستحيل أيام «ميلانكوفيتش» أن تختبر النظرية الفلكية للعصور الجليدية, فلم يكن ثمة من يعرف التواريخ المضبوطة لنمو وانحسار الجليد خلال الآلاف الماضية من السنين, وهكذا ظلت هذه النظرية غير مثبتة وليس لها من المتحمسين إلا القليل, إلى أن تطورت التقنيات الحديثة لتعقب حرارة الأرض على مر آلاف الأعوام عبر العصور, تم هذا في السبعينيات بدراسات على بقايا الأصداف الجيرية والقواقع والحيوانات الأولية المترسبة في أعماق البحار(جون جريبين «ظاهرة الصوبة» ترجمة د. أحمد مستجير, ص: 62 ـ 63).

وتستخرج الرواسب من قاع البحر في صورة أعمدة طويلة يستخرجها مثقاب من سفن الاستكشاف الجيولوجي, لكن عمر الرواسب عند أي عمق لا يمكن استقراؤه مباشرة من العمود, وإنما يقدر بمقارنة المغناطيسية (يتغير المجال المغناطيسي للأرض تغيرا واسعا مع الزمن الجيولوجي, فيضعف ويشتد, وأحيانا ينعكس تماما, وهذه التغيرات ـ خاصة الانعكاس ـ تمثل بصمة مميزة للعصر الجيولوجي, فمن الممكن أن نقارن أي قطعة من الرواسب لها مغنطيسية معينة بنظيرتها من صخور اليابسة, ليحدد عمرها بدقة بالغة. (ظاهرة الصوبة, ص: 63 بتصرف() المحبوسة بها بمغناطيسية صخور من البر حسب عمرها بالفعل بطرق أخرى (24), وهذا يحل نصف المشكلة, وهي تحديد عمر الرواسب, ويبقى النصف الآخر, وهو تحديد درجة الحرارة في هذا الزمن الذي ترسبت فيه.

هناك نوعان شائعان من ذرات الأكجسين (نظيران) هما أكسوجين (16) وأكسوجين (18) وكلاهما موجود في الهواء الذي نتنفسه , وكذا في ماء البحر, ولما كان الأكسوجين (18) أثقل من الأكسوجين (16) فإن البعض من جزئيات ماء البحر سيكون أثقل من البعض الآخر, وجزئيات الماء الأثقل تتجمد أسرع من جزيئات الماء الأخف, وهذا يعني أن نسبة أكبر من الجزيئات الأثقل ستحبس في الثلج عند حلول العصر الجليدي, ولما كانت الكائنات البحرية تأخذ الأكسوجين من بيئتها لبناء أصدافها, فإن الأصداف التي تتكون في العصر الجليدي ستحتوي على قدر أعلى نسبيا من نظير الأكسوجين الأخف, الذي لم يحبس داخل الطبقات الجليدية الضخمة.. وبقياس نسبة نظيري الأكسوجين في بقايا القواقع والأصداف الموجودة في الطبقات المختلفة من الرواسب أمكن الاستدلال على درجة الحرارة عند ترسيبها (المرجع السابق, ص: 64).

لقد وجد أن طول العصر الجليدي نحو مائة ألف عام, تأتي بعده فترة دفء تسمى مرحلة «بين جليدية» تستمر لمدة عشرة إلى عشرين ألف عام, ولقد تكرر هذا النمط عشر مرات خلال المليون سنة الأخيرة, ونحن نعيش الآن قرب نهاية مرحلة دفء طبيعي, فترة بين جليدية بدأت منذ ما يقرب من عشرة آلاف عام (المرجع السابق, ص: 58).. أي أن الأرض تقترب من بداية عصر جليدي جديد.. وتتحقق نبوءة النبي ـ صلى الله عليه وسلم.

ويتوقع «هال ماكلور» عودة البحيرات إلى صحراء شبه الجزيرة العربية, فقد لاحظ في تموز (يوليو) 1977 سقوط أمطار شبه موسمية على امتداد ثلاثة أسابيع في شمال الربع الخالي, ولم ينتج عن ذلك تشكل بحيرات جديدة, ولكن ـ على حد قوله ـ «إذا تكرر هذا الأمر وبقوة كافية لتكوين بحيرات فقد يكون ذلك مؤشرا على عودة الأمطار الموسمية إلى الربع الخالي ومعها انقلاب في المناخ(آفاق علمية, عدد (24), ص: 15)

الحجارة ... بين الوصف القرآني والتصنيف الميكانيكي

| 0 التعليقات

محمد بن جابر المحمود

خبير جيولوجي ــ أرامكو السعودية

جاء القرآن الكريم هداية للناس إلى عبادة رب العالمين وحده، وترك عبادة غيره ولكي تكون هذه الدعوة مناسبة للعرض فقد اقترنت ببراهين تدل على صحتها. ولقد أتى القرآن الكريم بالأدلة المتنوعة التي تناسب كل فكر لتقوم الحجة بعد ذلك على من لم يؤمن بما جاء به. وكان ذكر الحقائق الكونية أحد الأسباب التي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على ألوهية من نزّل القرآن الكريم بما تضمنه من قضايا العقيدة والعبادة ولهداية البشرية إلى معرفة الظواهر الكونية التي يمكن الاستفادة منها في إعمار الأرض وإصلاحها. وعندما يعرض القرآن الكريم الظواهر الكونية فإنه لا يذكر تفاصيلها لأن الغاية الكبرى من إنزاله هي هداية الناس إلى عبادة الله وحده، ولذلك كان القرآن الكريم يذكر وصفًا لما يبدو للعيان من هذه الظواهر مصحوبًا بحقيقة أو حقائق قد لا تكون متجلية للمشاهد عندما نزل القرآن الكريم إلا أنه قد يعلمها البشر على مر السنين إن هم تفكّروا وأنعموا النظر في هذه الظواهر.

لقد كانت قسوة الحجارة إحدى الظواهر الكونية التي اكتشفها الإنسان مبكرًا فاستخدمها في بناء مسكنه وحفر بئره وطحن حَبِّه وغيرها من الاستخدامات البدائية. لكن الإنسان لم يعلم أن هذه الظاهرة يمكن حسابها كميٌّا وبالتالي الاستفادة منها بشكل أكبر وأفضل إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد ذكر القرآن الكريم المحصلة النهائية لهذه الحسابات الكميــة وهي تقســيم الحجـــارة من حيث قسوتها إلى قســـمين رئيسيين: الأول هـــو مــــا يعـــرف في علم ميكــانيكا الحجــارة بالحجارة التكسرية Brittle Rocks والثاني هو ما يعرف بالحجارة اللدائنية Ductile Rocks وفي هذه المقالة سنتعرض للجانب العلمي المتعلق بقسوة الحجارة في آية سورة البقرة التي يقول الله فيها مخاطبًا بني إسرائيل: (
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) البقرة (74) .

ملخص ما ورد في تفسير الآية:

يذكّر الله بني إسرائيل بقسوة قلوبهم رغم كثرة ما رأوا من الآيات وأن قلوبهم قد تجاوزت في قسوتها الحجارة التي رغم صلابتها قد يخرج منها ما هو خير للبشر؛ قيل إن (أَو) في قوله (
أَشَدُّ قَسْوَة
) بمعنى الواو فيكون المعنى (وأَشَدُّ قَسْوَة) وقيل بمعنى (بل) فيكون المعنى (
بل أَشَدُّ قَسْوَة
) وأيٌّا كان المعنى الدقيق لها فهنا يعقد القرآن الكريم مقارنة بين القسوة المعنوية للقلوب والقسوة المادية للحجارة يدخل من خلالها إلى تقريب المعاني غير المحسوسة للعقول باستخدام المعاني المحسوسة
(وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ
) و (ما) في (لما) بمعنى (الذي) فيكون المعنى وإن من الحجارة الذي يتفجر منه الأنهار، وفي القاموس المحيط للفيروزآبادي (وانفجر الماء وتفجَّر: سال)، وقد ورد في كتاب المفردات في غريب القرآن الكريم للراغب الأصفهاني أن الفجر شقّ الشيء شقٌّا واسعًا، يقال فَجَرُته فانفجر وفجَّرته فتفجَّر. وقد أرجع بعض المفسرين التفجر إلى الحجارة بمعنى أن الفعل يكون من الحجارة أي هي التي تتفجر أي تتفتح بالسعة والكثرة؛ بحيث يخرج منها الماء بكميات كبيرة على شكل أنهار، وأرجع البعض الآخر من المفسرين التفجّر إلى الأنهار؛ فيكون المعنى: أن الماء يتفجّر أي يسيل بكميات كبيرة وباندفاع قوي من الحجارة التي تفتّحت نتيجة للدفع القوي من الماء الموجود فيها. قلت: والله أعلم بالمراد هنا، ولكن كلا المعنيين يبدو صحيحًا فالانفجار عندما يكون فعل للحجر فإن هذا الفعل يأتي كردّ فعل لما يسببه الماء من ضغط داخلي في الحجر فيتفتح الحجر. وعندما يكون الانفجار فعل للماء فإن الماء هو الذي يتفجّر من الحجر؛ أي يسيل منه بعدما تسبّب في تفتّحه؛ (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآء
) أي وإن من الحجارة لما يشّقق وأصله يتشقق، قلبت التاء شينًا وأدغمت مع الشين الثانية، ووزنه يفّعّل وأصله يَتَفَعّل وهي المضارع من تَفَعّل والتي تدل إما على المطاوعة، وهو يطاوع (فعّل) مثل: علمته فتعلم وإما على التكلف وهو الدلالة على الرغبة في حصول الفعل له واجتهاده في سبيل ذلك مثل: تصبّر أو تدل على الاتخاذ مثل: توسّد ذراعه أي اتخذه وسادة أو تدل على التجنب، وهو دلالة على ترك معنى الفعل والابتعاد عنه مثل: تحرّج أي ترك الحرج. قلت: والملاحظ من هذه الدلالات أن فعل (يشّقّق) إما أن يكون له دلالة على المطاوعة فيكون التشقق كرد فعل لـ (شقق) أي أن الحجر تشقق كرد فعل لتشقيق الماء له أو أنه يكون له أحد الدلالات الثلاث الأخرى فيكون التشقق مصدره ذاتي من نفس الحجر. وقد أورد ابن حيان الأندلسي في البحر المحيط المعنى الشامل لهذا الجزء من الآية في قوله: (والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يندفق منها الماء الكثير الغمر (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآء
) التشقق: التصدع بطول أو بعرض، فينبع الماء بقلة حتى لا يكون نهرًا).

أما قوله (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
) فقد لخص الأندلسي في البحر المحيط ما ورد فيها عن المفسرين فقال: (واختلف المفسرون في هذه الآية فقال قوم: إن قوله: (وإن من الحجارة) إلى آخره هو على سبيل المثل، بمعنى أنه لو كان الحجر ممن يعقل لسقط من خشية الله تعالى، وتشقق من هيبته وأنتم قد جعل الله فيكم العقل الذي به إدراك الأمور، والنظر في عواقب الأشياء، ومع ذلك فقلوبكم أشد قسوة وأبعد عن الخير. وقال قوم: ليس ذلك على جهة المثل: بل أخبر عن الحجارة بعينها، وقسمها لهذه الأقسام).

وقد علق الرازي في تفسيره تعليقًا علميٌّا على هذه الآية من ناحية ما تضمنته من ظواهر طبيعية فقال: (قالت الحكماء: إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخوًا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلبًا حجريٌّا اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارًا (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآء
) أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينًا لا نهرًا جاريًا، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري من الأنهار وقد تقل) ويشتمل هذا التعليق على تصنيف علمي للحجارة من حيث قسوتها مستنبطًا من هذه الآية الكريمة، حيث يقول عن النوع الأول من الحجارة: (فإن كان ظاهر الأرض رخوًا)، ويقول عن النوع الثاني من الحجارة: (وإن كان ظاهر الأرض صلبًا حجريٌّا)، وقد يكون هذا التعليق من الإمام الرازي من أوائل الاستنباطات العلمية من هذه الآية.
قسوة الحجارة من منظور علم ميكانيكا الحجارة

لدراسة قسوة الحجارة في علم ميكانيكا الحجارة (Rock Mechanics) أهمية كبيرة تبرز عند الحاجة إليها في تنفيذ الإنشاءات الكبيرة مثل المصانع والجسور والسدود والمباني الكبيرة ويعبر عن هذه القسوة بمعادلات رياضية ورسومات بيانية تشمل الكثير من المتغيرات التي تم إجراء الكثير من التجارب والدراسات عليها، ولعل أكثر ما يعبر عن قسوة الحجارة تعبيرًا كميٌّا هو ما يعرف في علم ميكانيكا الحجارة بالعلاقة البيانية بين الإجهاد والاستجابة (Stress - Strain Relationship) تبين هذه العلاقة مدى وكيفية استجابة الحجارة للإجهاد الذي تتعرض له حيث تتعرض الحجارة في الطبيعة إلى أنواع مختلفـة من الإجهــاد (Stress) نتيجة الضغط أو الشد التي تكون مصادرها إما خارجية مثل ثقل الحجارة التي تعلوها أو الضغط أو الشد الناتج من تحركات القشرة الأرضية وإما داخلية مثل الضغط الناتج عن دخول الماء أو الزيت أو الغاز إلى المسامات الموجودة داخل الحجارة وهذا الإجهاد الذي تتعرض له الحجارة قد يكون قويٌّا أو ضعيفًا وقد يكون سريعًا أو بطيئًا وقد يكون في اتجاه واحد أو في اتجاهات مختلفة تأتي النتيجة النهائية للإجهاد باستجابة الحجارة (Strain) بحدوث تغيرات في حجمها أو هيئتها قد تنتهي بتشقق أو تكسر الحجارة، وتتناسب استجابة الحجارة للإجهاد مع نوع الحجارة وظروف الحجارة للإجهاد. ومن أهم الظروف الفيزيائية التي تهتم بمعرفتها عند محاولة التعرف على كيفية استجابة الحجارة للإجهاد درجة الحرارة التي يتم أثناءها الإجهاد، وكذلك مقدار الضغط الواقع على الحجر، ومقدار ضغط السوائل التي يحتوي عليها الحجر.

شكل رقم (1) العلاقة البيانية بين الإجهاد ةالاستجابة

يقسم العلماء الحجارة من الناحية الميكانيكية من زاوية الإجهاد باستجابة الحجارة إلى نوعين مثاليين تتدرج الأنواع الأخرى للحجارة بينهما:

1) النوع الأول تكون فيه علاقة الإجهاد باستجابة الحجارة علاقة طردية (شكل 1) بحيث كلما زاد الإجهاد زادت استجابة الحجر بتغير حجمه وهيئته ومع زوال الإجهاد يزول التغير في حجم وهيئة الحجر. وهذا النوع تنتهي علاقة الإجهاد باستجابة الحجر بالتشقق أو التكسر عندما تصل فيه التغيرات إلى نسبة 3 - 5% من الحجم والهيئة الأصليين، ويسمى هذا النوع بالحجر التكسري (Brittle Rock).

أما النوع الثاني فتكون فيه علاقة الإجهاد باستجابة الحجر ابتداء علاقة طردية كالنوع الأول إلى أن يصل إلى حد المرونة Elastic Limit (شكل 1) فتأخذ علاقة الإجهاد باستجابة الحجر نمطًا آخر يتميز بزيادة استجابة الحجر للإجهاد بحيث تظهر تغيرات كبيرة في حجم وهيئة الحجر مع أي زيادة طفيفة للإجهاد، ويتميز كذلك بعدم زوال التغيرات في حجم وهيئة الحجر بزوال الإجهاد. وهذا النوع لا ينتهي فيه الحجر بالتشقق أو التكسر إلا عندما تصل فيه التغيـرات إلى نسبـة 5 - 10% من الحجم والهيئة الأصليين للحجر، ويسمى هذا النوع بالحجـر اللدن (Ductile Rock).

ويعتبر هذا التقسيم تقسيمًا عامٌّا للحجارة من حيث قسوتها (Rock Stiffness)، ولكن لا يمكن اعتماد هذا التقسيم على إطلاقه، لأنه ليس هناك حد فاصل بين هذين القسمين ولأن الحجر الواحد قد تتغير قسوته حسب الظروف التي يوجد فيها عند تعرضه للإجهاد. يذكر جورج اتش ديفز أن (إحدى النتائج الأساسية لاختبار قوة الحجارة أن قياسات قوة الحجارة لا تعني شيئا البتة ما لم تكن الظروف التي حصلت فيها استجابة الحجارة معروفة، وكذلك فإن الاصطلاحات على تقسيم الحجارة إلى صخور تكسرية Brittle Rock وصخور لدائنية Ductile Rock لا تكون ذات معنى كبير ما لم تكن الظروف التي تم إجهاد الحجارة فيها معروفة) ومع التغيرات في هذه الظروف مجتمعة فإن هناك مجالا واسعا من درجات استجابة الحجارة للإجهاد الواقع عليها ويكون بالتالي تحديد هذه الاستجابة صعبًا، إلا أنه عندما يتم التركيز على ظرف واحد من هذه الظروف فإن عملية معرفة استجابة أي صخر للإجهاد كانت تراعي التغيير في طرف واحد فقط مثل درجة الحرارة أو ضغط السوائل داخل الحجارة، فتأتي نتائج كل تجربة لتصف استجابة الحجارة للإجهاد مع التغير في ذلك الظرف فقط دون التركيز على ا لظروف الأخرى.
النواحي العلمية الإعجازية في القرآن الكريم

عندما ذكر الله تعالى في الآية السابقة قسوة قلوب بني إسرائيل شبهها بإحدى الأشياء المحسوسة لدى البشر وهي الحجارة، ثم في إشارة لكون قلوبهم أقسى من الحجارة ذكر أن الحجارة تتفاوت في قسوتها ليعلم أن قلوبهم أقسى من أقسى الحجارة. ثم برزت بعض النواحي الإعجازية عند الحديث عن هذه الأشياء المحسوسة لتكون ذات دلالة على السبق القرآني لهذه الظاهرة العلمية لمن يتفكر ويبحث فيها من المتقدمين والمتأخرين. وقد أتت هذه النواحي الإعجازية مجملة غير مفصلة لتبقي مجال التفكير مفتوحًا وفرص اكتشاف الحقيقة متساوية لجميع من أنزل إليهم هذا القرآن من الأولين والآخرين.

الناحية الإعجازية الأولى في هذه الآية تتمثل في أنه عند ذكر قسوة الحجارة ذكر معها أحد الظروف التي لها تأثير كبير على التغير في هذه القسوة وهو وجود الماء والمقدار النسبي لضغطه داخل الحجارة ونفاذية الحجر. يذكر ادقر دبليو سبنسر Edgar W. Spencer في كتابه (مدخل إلى تركيب الأرض) (أنه كلما زاد ضغط الماء داخل الحجارة فإنها تكون أضعف وأكثر قابلية للتكسر Brittle ويشترط سبنسر لهذا التأثير (أن تكون الحجارة ذات نفاذية كبيرة نسبيٌّا بحيث تسمح بتوزيع متماثل للضغط في الأجزاء المختلفة من الحجارة) وهذا الشرط يعني أن يكون الحجر قابلاً لأن ينفذ الماء خلاله أو منه بسهولة بحيث يمكن أن يمر خلال الحجر أو يتدفق منه معدلات كبيرة نسبيٌّا من الماء. فإذًا هنا ربط بين ضغط الماء - الحاصل من كميات الماء التي من الممكن أن تتدفق من الحجر ـ وقابلية الحجر للتكسر، وهذه الحقيقة التي دُرست وحُققت في المختبرات قد أثبتها القرآن الكريم ملخصة في قوله تعالى: (
وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ
) ففي لفظة (يَتَفَجَّر) إشارة إلى أمرين: الأول هو وجود الماء تحت ضغط عالٍ داخل الحجر، والثاني هو تعرض الحجر للتكسر وليس للتشقق وذلك بسبب هذا الضغط العالي، حيث إن كلمة التفجر بالنسبة للتحجر تعني التفكك القوي المفاجئ، أمـا (لفظة الأنهار) فتدل على غزارة المياه التي تخرج من هذا النوع من الحجر، وبالتالي إلى النفاذية الكبيرة لذلك الحجر، وهذه الناحية الإعجازية فيها تبيين العلاقة الوثيقة بين قابلية الحجر للتكسّر والضغط العالي للماء في داخل الحجر وكذلك نفاذية الحجر.
الناحية الإعجازية الثانية هي في الوصف الدقيق للنوع الثاني من الحجارة في قوله تعالى: (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ
) هذا الوصف مبني على أن تفاوت الحجارة في قسوتها إنما هو مرتبط بعوامل أخرى غير التركيب الكيمائي للحجارة وفي هذه الحالة هناك ربط لقسوة الحجارة بالضغط القليل للماء الموجود في المسامات بين الحبيبات المكونة للحجارة. يذكر ادقر دبليو سبنسر وصف هذا الربط بأنه تحت ظروف الضغط القليل للماء داخل الحجارة فإن قوة الاحتكاك بين الحبيبات الصغيرة التي تتكون منها الحجارة تكون قليلة جدٌّا فتبدأ الحجارة بالتشقق تدريجيا في المواضع التي يكون فيها ارتباط الحبيبات ببعضها ضعيفا فتنفصل الحبيبات وتتباعد عن بعضها البعض دون أن تتكسر الحبيبات نفسها، ومع هذا التشقق تحدث زيادة دائمة في حجم الحجارة مما يجعلها في هذه الحالة من النوع اللدائني Ductile Rock، ويتدفق الماء من خلال التشققات بشكل غير عنيف لأن ضغط الماء داخل الحجارة ليس قويا، ويكون هذا التدفق بكميات قليلة نسبيا لكون الشقوق ليست كبيرة. وهذا الوصف العلمي لقسوة الحجارة وعلاقتها بالمقادير النسبية لضغط الماء ومعدل تدفقه من الحجارة قد أورده الله تعالى بشكل دقيق في بضع كلمات في قوله تعالى: (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ
) فيبدأ بقوله (وإن منها) أي وإن من الحجارة نوع آخر في قسوته غير النوع الذي ذكر في الجزء الأول من الآية، (لما يشّقق) أي لما يتصدع أو يتكون فيه شقوق، وصيغة يشقق هنا فيها دلالة على المطاوعة أي أن الحجارة شققت بسبب ضغط الماء فتشقق استجابة لهذا الضغط (فيخرج) أي يسيل ويتدفق من غير اندفاع لأن كلمة يخرج في هذا الجزء من الآية ذكرت في مقابلة (يتفجر) في الجزء السابق من الآية والتي تدل على الاندفاع بقوة، ثم قوله (الماء) للدلالة على أن الماء الذي يخرج من هذا النوع من الصخر إنما يكون بكميات قليلة وهذا يأتي من كون كلمة (الماء) أتت في مقابلة كلمة (الأنهار) في الجزء السابق من الآية، والأنهار جمع نهر وهو اسم دال على هيئة معينة من الماء الكثير.

الناحية الإعجازية الثالثة وهي ناحية علمية وفيها لمحة إعجازية لغوية في نفس الوقت تتجلى هذه الناحية الإعجازية في قوله: (وإن من الحجارة) وفي قولـــه: (وإن منها)، حيث يدل اللفظ في هذين المقطعين من الآية على التبعيض أي أن هذين النوعين من الحجارة هما على سبيل المثال لا الحصر. ومن ذلك يمكن الاستنباط أن الحجارة قد تكون أنواعًا كثيرة من حيث قسوتها باعتبار الظروف المختلفة التي تكون فيها الحجارة عندما تتعرض للإجهاد وغيرها.

واستكمالا للتدبر في الآية نلاحظ أن الجزء المتبقي من الآية هو قوله تعالى: (
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله
) يتحدث عن نوع آخر من الحجارة يهبط من خشية الله، وقد ذكر كثير من المفسرين أن معنى(وإن منها لما يهبط) أي يتردى من أعلى الجبل، كما ورد عند بعضهم أن الهبوط مجاز على الخشوع منها والتواضع الكائن فيها انقيادًا لله عز وجل. قلت ـ والله أعلم: المراد بالهبوط رغم أن ظاهر المعنى لا يدل على علاقته بقسوة الحجارة من الناحية الميكانيكية إلا أنها تنفعل من خشية الله بالهبوط كما تنفعل الحجارة الأخرى لما تتعرض له من ضغط الماء سواء كان الضغط قليلا أو كثيرا. ولعل العلم يكشف يوما ما عن المعنى المراد بالهبوط في هذه الآية إن لم يكن مجازيٌّا.
خاتمة:

هذه الآية التي يأتي سياقها في جملة من الآيات تتحدث عن حال بني إسرائيل وقسوتها رغم ما يذكرهم به ربهم من الآيات والنعم، ثم ربطت الآية بين قسوة القلوب ومقدار ما يكون فيها من الإيمان ومثلت لذلك بمثل مادي يمكن أن يراه ويلاحظه البشر في أي مكان وزمان، وذلك بتشبيه القلوب بالحجارة التي تتفاوت قسوتها حسب ما تحتويه من الماء، فالقلوب كالحجارة والإيمان هو الخير الذي يمكن أن تحتوي عليه هذه القلوب فتكون لينة بسببه فكان في هذا التشبيه والوصف الشامل والدقيق دعوة لكل من يسمع هذا الكلام من المؤمنين أن يتأمل في قلبه فيقيس درجة إيمانه بمقدار القسوة التي يجدها في قلبه، ثم يعمل على زيادة إيمانه كلما وجد زيادة في قسوة قلبه وكان فيه أيضا دعوة لكل من لم يؤمن بأن يتبصر ويتفكر في هذه الظاهرة الكونية التي تدعو إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، فمن أبدعها وأبدع غيرها من الظواهر الكونية التي تحكم اتزان هذا الكون وما يحتوي عليه من المخلوقات هو المستحق للعبادة وحده لا يشرك معه أحد. وفيه أيضا دعوة لبني آدم جميعا لربط التفكر في الظواهر المادية بالسلوك الروحي والإيماني بشكل عام.
المراجع:

1- القرآن الكريم.

2- الرفاعي، محمد نسيبب 1988م، تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير (طبعة المعارف، الرياض).

3- تفسير أبي السعود في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

4- روح المعاني في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

5- تفسير البيضاوي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

6- التفسير الكبير للرازي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

7- الكشاف للزمخشري في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

8- أضواء البيان في تفسير القرآن للشاطبي برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

9- فتح القدير للشوكاني في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

10- تفسير النسفي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

11- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

12- تفسير السعدي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير، إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

13- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي في برنامج مكتبة علوم القرآن والتفاسير إنتاج شركة العريس للكمبيوتر، لبنان 1998م.

14- الراجحي، عبده، 1984م، التطبيق الصرفي، دار النهضة العربية، بيروت، 211 صفحة.

15- صافي، محمود، 1995م، الجداول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه، دار الرشد،دمشق، 528 صفحة.

الاعجاز العلمي في امر القران للامهات ان تتم الرضاعة حولين كاملين اي سنتين

| 0 التعليقات


قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾البقرة: 233، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾لقمان: 14، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾الأحقاف: 15، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾الطلاق6.
الدلالة النصية:
هذا النص كما يذكر الشوكاني فيه (هو خبر في معنى الأمر للدلالة على تحقق مضمونه، وجاء التأكيد على ذلك بلفظ كاملين، وأن ذلك هو التمام للرضاعة)، وبالتالي فإن فيه (تنبيهاً على تأكيده لأن لبنها –أي الأم- أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليداً من مغذاه جنيناً، فكان الأحق أن يرضعن أولادهن)، وبذلك نجد أن هذا النص يشير إلى أنه لا أصلح للصبي من لبن أمه، ولئن جاءت المدة (حولين) مؤكدة بلفظ (كاملين) في سياق ضرورة تحمل الأب نفقة الإعاشة والكسوة والإرضاع في حدود المعروف، فإنها جعلت أولوية الإرضاع لأم الوليد، وإلا أرضعته سواها بنفقة، والملاحظ هنا أن الآية لم يُلتفت فيها إلى ألبان الحيوان، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: 233.
الحقيقة العلمية:
تكاد البحوث العلمية في مجال تغذية الأطفال المولودين تجمع على أن الرضاعة هي الوسيلة الأنفع لهم على الإطلاق، حيث إنه قد ثبت حديثا أن اللبن البشري خاصة من الأم  لا يسبب أي حساسية للطفل؛ بينما قد تبلغ نسبة أمراض الحساسية في الرُضَّع نتيجة الرضاعة الصناعية بالألبان الحيوانية حوالي 30%، وقد تسبب تلك الألبان عسر هضم؛ فضلا عن عواقب إهمال تعقيم القارورة وما قد يؤدي إليه من نقص في التغذية أو الجفاف نتيجة الإسهال؛ والذي قد ينتهي بالوفاة، فوفق منظمة الصحة العالمية أكثر من مليون طفل يتوفون سنويا في العالم الثالث نتيجة أمراض الجهاز الهضمي والإسهال، وأكثر من تسعة ملايين طفل يصابون بنقص شديد في التغذية، وأغلب تلك الحالات ناتج عن استخدام الألبان الصناعية.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن لبن الأم خاصة اللبأ -الذي يفرز في الأيام الأولى-  يمد الطفل بحماية ضد عوامل بيئية تؤدي إلى تدمير خلايا البنكرياس التي تفرز الأنسولين، وأن الاعتماد على ألبان الأبقار يفقد الرضيع تلك الحماية، فيتعرض بنسبة أكبر من الرُّضَّع بألبان أمهاتهم للإصابة بداء السكري، ويعضد هذا الاستنتاج وجود أجسام مضادة بنسب مرتفعة لبروتين لبن البقر في دماء الأطفال المصابين بداء السكري بالمقارنة مع الأطفال غير المصابين بالمرض.
وقبل تكامل عمل الجهاز الهضمي يمكن لبروتين لبن الأبقار أن يمر بدون هضم من خلال حلمات الغشاء الداخلي الغير مكتمل، وعدم تمكن الإنزيمات من تكسيره بشكل كلي إلى أحماض أمينية مما يحفز على تكوين أجسام مناعية ضده، والمدهش أن تتواجد تلك الأجسام المناعية ضد لبن البقر بنسبة عالية في دماء الأطفال الذين تناولوه قبل عامين؛ بينما لا تتواجد في دماء الأطفال الذين تناولوا لبن البقر بعد عامين؛ مما يتفق تماماً مع تمام مدة الفطام التي حددها القرآن الكريم؛ فضلا على تكامل الأمعاء وتكامل المخ بعد اكتمال العامين بحيث يماثل في هيئته مخ الشخص البالغ علامة على التكامل العام.
ومن الجانب النفسي نجد أن إرضاع الأم لوليدها ينشئ علاقة خاصة بينهما تشبع رغبة الأمومة عند الأم وتشبع متطلبات الوليد، ومن الجانب العضوي فإن اللبن البشري هو الأنسب للوليد، وأن ألبان الحيوان قد تحمل شيئاً من الضرر، ولم يُلتفت كذلك إلى ألبان الحيوان واكتفى بالإرضاع البشري في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾الطلاق:6، وقد ثبت حديثا بالفعل أن البدائل مثل ألبان الأبقار قد تسبب ضرراً للرضيع، وأن الأنفع له هو المصدر البشري خاصة من الأم، وقد يبدأ الفطام مبكرا بثلاثة أشهر إذا اكتمل الحمل تسعة أشهر لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ الأحقاف: 15، ولكن تمام الفطام عند الاكتمال العضوي للرضيع مؤكد نصًّا على أنه عامين لقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ لقمان: 14، وقد ثبت حديثا بالفعل أن ضرر ألبان الأبقار على الرضيع يخف حتى يتلاشى تماما باكتمال العامين مع اكتماله العضوي.
وجه الإعجاز:
بعد ثبوت ضرورة إرضاع الأمهات لأولادهن علمياً، ووضوح الفوائد النفسية والجسمية التي تحصل في ذلك الإرضاع، وأن تمام الفائدة من الإرضاع إنما يحصل باستيفاء عامين، يكون قد حصل تطابق تام بين دلالة النص القرآني الشريف مع تلك الحقيقة العلمية، وبذلك يتبدى لنا وجه آخر من وجوه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، حيث لم يكن البشر على علم بتلك الحقيقة التي لم تُكتشف إلا في زمننا المعاصر.
Related References:
1-                       Borsch Nelson (1994); Text book of pediatric. 15th Ed.
2-                       Scand J. Immanuel (1998, Feb); 47, 2, 5-131.
3-                       Saukkonen et al., (1998); Dialectologies.  Jan., 4, 7, 8-72.
4-                       Gerstein H.( 1994);  Diabetes , Jan ,17, 1, 9-13
5-                       Autoimmunity (1994);  23, 74-165
6-                       Lucas  et al; (1992);  Lancet; 59, 722-730
7-                       Pettit et al; ( 1997) Lancet; 16-168