الإعجاز العلمي في الحديث النبوي (ما من عام أمطر من عام)

الأربعاء، 25 يونيو 2014 | 0 التعليقات


د. شاهر جمال آغا


لقد خص الله جل جلاله الأرض بغلافها الأرضي الجغرافي (Geosphere) الذي تميزت به عن أترابها من الكواكب الشمسية وسواها المعروفة حتى الآن، والغلاف مكون من أجزاء أربعة: الجوي (Atmosphere) والصخري (Lithosphere) والمائي (Hydrosphere) والحيوي العضوي (Biosphere).
تتفاعل الأجزاء هذه وبفعالية كبيرة وباستمرار مع بعضها البعض، وذلك عبر النقل المتبادل للطاقة والمادة(1)، مما يجعل من الغلاف الأرضي الجغرافي كتلة طبيعية واحدة متكاملة. وتجدر الإشارة إلى أن للماء الدور الحاسم في إتمام عمليات النقل والتبادل آنفة الذكر، وذلك لما للماء من سمات وخصائص فيزيائية وكيميائية ينفرد بها:
أ ـ يوجد الماء في الغلاف الأرضي الجغرافي وبآن واحد في ثلاثة أطوار (أشكال) فيزيائية/سائلة وهي الأساس، وغازية/بخار الماء، وصلبة/جليد.
ب ـ للماء مقدرة كبيرة في حل المركبات الكيميائية وتحويلها إلى شوارد حرة وعلى حل أو إذابة المركبات الصخرية.
ج ـ حركيته ولزوجيته المعيارية التي تمكنه من تحريك ونقل ما قام بحله وإذابته من مواد وغازات إلى مسافات بعيدة.
د ـ يصل الماء في طوره الغازي إلى أعلى طبقات الجو وإلى أعمق مناطق القشرة الأرضية من خلال مسام الصخور وشقوقها وفجواتها.
هـ ـ كم الماء كبير جداً على سطح الأرض (قرابة 1.38 مليار كم3)(2) وهو ما لا نجده في الكواكب الأخرى، لذلك عُرِف بالكوكب الأزرق. إن الكم المشار إليه معياري المقدار فأي تغيير محسوس فيه سيغير قوانين الأرض الطبيعية ويبدل معايير توازنها المادي والطاقي ويحولها تدريجياً إلى كواكب أخرى غير الأرض الحالية.
و ـ هذا الكم الكبير من الماء السائل الأرضي وفي ظل الواقع الفيزيائي والكيميائي الحالي للأرض كتلة وسطحاً يقدم مقداراً محدداً بدقة من المياه العذبة التهطالية المنشأ الكافية لتلبية كل حاجات الكائنات الحية وحاجة الفعاليات المناخية والحيوية والتبدلات الصخرية ضمن الغلاف الأرضي الجغرافي، ومن ناقلة القول إن تغيراً ملموساً لمقدار المياه العذبة سيؤثر سلباً على كل عناصر الغلاف الأرضي المذكور.
انطلاقاً من الحقيقة السابقة، سطع نجم الإعجاز الإلهي والنبوي الشريف وذلك بإخبارنا وقبل (1400سنة) ونيف أن ما يصل إلى الأرض من هطول محسوب بدقة ولا يتغير وسطياً من عام إلى آخر، وهو ما يعبر عنه في العلوم الجغرافية والعلوم الطبيعية بالتوازن الرطوبي والتهطالي، ولنقرأ أولاً ما جاء في القرآن الكريم:
(وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) (الزخرف: 11).

(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون: 18)
ثم لنقرأ قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أن رسول الله قال: (ما من عام أمطر من عام ولكن يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ: ولقد صرفناه بينهم)
ـ (رواه الحاكم والبيهقي موقوف دون مرفوع).
عند قراءة الحديث الشريف نرى حقيقتين:
أ ـ الكم المحدود من الهطول السنوي (ما من عام أمطر من عام).
ب ـ قوله ـ عليه السلام ـ: يصرفه حيث يشاء تعنى توزيع الهطول على سطح الأرض توزيعاً حدده رب العزة بشكل يحقق التوازن النطاقي والإقليمي على سطح الأرض، والتوازن الرطوبي المنطلق لتحقيق مختلف أشكال التوازن المادي والطاقي الأرضي، وعند الله كل شيء بمقدار (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) (الرعد: 8).
سنرى الآن مصداق المعيارية والمقدارية المشار إليها في الآيتين الكريمتين السابقتين وفي الحديث الشريف كذلك، وذلك لدى وقوفنا أمام ظاهرة الدورة الرطوبية على سطح الأرض، وتتكون الدورة الرطوبية من مجموعتين من العناصر الرطوبية:
أ ـ المجموعة الأولى مجموعة عناصر الكسب الرطوبي(3)
ب ـ المجموعة الثانية مجموعة عناصر الخسارة الرطوبية.
نرى في المحيطات أن عناصر الكسب الرطوبي تتجلى في كمية الهطول السنوية فوق المحيطات (Xo) وبما يرد إليها من مياه نهرية عذبة من اليابسة (Y)، وأما الخسارة فإنها عبارة عن كمية المياه المتبخرة سنوياً من المحيطات أي (Eo)، وهكذا نجد أن الموازنة المائية الرطوبية المحيطية تأخذ الشكل التالي:
(E o = Xo + Y)
وإذا ما ترجمنا ما سبق إلى أرقام مقدرة بآلاف الكم المكعبة من الماء نجد:
( E o = 458 + 49 = 505)
وهذا يعني أن كمية ما يتبخر سنوياً من المحيطات يعادل (505) ألف كم3، وهي تعادل مقدار الهطول فوق المحيطات (458) ألف كم 3 مضافاً إليها مياه الأنهار الصابة فيها (47) ألف كم 3.
أما بالنسبة للقارات فإن عنصر الكسب يتمثل بكمية الهطول السنوية الذي يتم فوقها (Xc) والبالغة (119) ألف كم3، إلا أن الخسارة الرطوبية تتجلى في كمية مياه الأنهار الصابة في المحيط العالمي، وتعادل (47) ألف كم3 كما رأينا، وهكذا نجد أن مجموع ما يتبخر سنوياً فوق القارات (Ec) يعادل (72) ألف كم3:
Ec= Xc (119) – Y (47) = 72
بعد أن تعرفنا على عناصر التوازن المائي الرطوبي فوق كل من المحيطات
(Eo + Ec = Xo + Xc) واليابسة يمكننا أن نوحدها في معادلة واحدة: وتعادل رقمياً: (505 + 72 = 458+119) وإذا ما رمزنا للتبخر على الأرض عامة ب (E) وللتهاطل ب (X) نجد أن المعادلة تبدو كالتالي:
(E = X)
ومما سبق نجد تساوي كميتي الرطوبة في طرفي المعادلة التوازنية:
E (577) = X (577) (4)
أي إن مجموع ما يتبخر على سطح الأرض يعادل كمية الهطول السنوية فوقها، وصدق الرسول الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى عندما قال: (ما من عام أمطر من عام..) وتبارك الذي أنزل من السماء الماء بقدر ليسكن الأرض.
ويمكننا أن نجمل ما سلف بالجدول التالي:
الجريان النهري (Y)التبخر(E)الهطول(X)المساحة (مليون كم2)المنطقة
ملم mmألف كم3ملم mmألف كم3ملم mmألف كم3
1304714005051270458361المحيط العالمي
3154748572800119149اليابسة
ــــــــ11305771130577510الأرض عامة
والسؤال الآن: ما سر وجود هذا الكم المحدد (وسطياً) من المياه المتبخرة والمتكاثفة سنوياً؟
إن الإجابة تكمن في مظهر آخر من مظاهر التوازن الطبيعي على سطح الأرض، إنه التوازن الإشعاعي الحراري الأرضي الجوي.
تقدر الطاقة الحرارية الشمسية الواصلة إلى سقف الغلاف الجوي الأرضي بحوالي (1.36.10)24 حريرة/سعرة/سم2/سنة وهو ما يعادل (2/1 ÷ 2 مليار) (5) من مجموع الطاقة الحرارية الشمسية. وإذا ما سلطت هذه الطاقة ـ أي الطاقة الكاملة للشمس ـ على محيطات الأرض وبحارها ستتبخر كاملاً خلال (1.5) ثانية وستختفي تماماً.
عندما تصل أشعة الشمس (R) إلى الأرض وجوها تتعرض لتبدلات عديدة تمثل الموازنة الإشعاعية الجوية المكونة من العناصر التالية:
(R= D+E+C) (6)
إذ إن (R) ـ تمثل مجموع الأشعة الواصلة إلى جو الأرض وسطحها.
(D) ـ تمثل مجموع الأشعة الإجمالية التي تمتص من قبل اليابسة وماء المحيطات.
(E) ـ تمثل مجموعة الأشعة الممتصة من قبل الجو.
(C) ـ تمثل مجموع الأشعة المنعكسة من على سقف الجو وسطح الأرض.
ولنفصل قليلاً:
عندما تبلغ أشعة الشمس (R) إلى سقف الجو ينعكس منها ما نسبته (31%) مباشرة إلى الفضاء الخارجي (C) وما تبقى من الأشعة (69%) يدخل الغلاف الجوي (E) فيمتص منه قرابة (17%) والباقي (52%) أي (D) فإنه يمثل مجموع الأشعة المباشرة والمنتثرة الواصلة إلى سطح الأرض، والتي ينعكس منها إلى الجو قرابة (4%)، وهكذا يتبقى من الأشعة ما يعادل (48%)، ونجد أن (18%) يصرف إشعاعاً أرضياً فعالاً ذاتياً إلى الجو، وما تبقى أي (30%) فإنه يعتبر المخزون الأرضي الإشعاعي الفعلي الذي يتحول جزء منه إلى طاقة حرارية تعمل على تبخير المياه على اليابسة والمحيطات وبنسبة (22%) من مجموع الأشعة الممتصة فعلياً من قبل سطح الأرض، أما ما تبقى وهو (8%)، فإنها تصرف على عمليات التبادل الحراري الطاقي بين الأرض والجو.
وهكذا فإن الموازنة الإشعاعية الطاقية لسطح الأرض فإنها تبدو كالتالي:
(30% - (22% + 8%) = 0) تتوزع الطاقة المصروفة على التبخر الأرضي نطاقياً (حسب درجات العرض) بالشكل التالي مقدرة بالحرة (كيلو كالوري)/ سم2/سنة:
درجات العرض0-1020-3040-5060-7080-90
الطاقة ك.ك747845257
وسطي سطح الأرض (59)
هذه الطاقة التي تعادل بالنسبة لسطح الأرض ماء ويابسة (59) ك. كالوري وسطياً تكفي على مدار السنة تبخير ما مقداره (577) ألف كم3 من المياه السائلة من على سطح الأرض، وحسب قوانين التوازن الرطوبي آنفة الذكر، ستتحول المياه المتبخرة كاملاً إلى مياه سائلة ثانية (هطول) أي بمقدار (577) ألف كم3، وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أخبرنا بذلك قبل (1400) سنة ونيف بقوله: (ما من عام أمطر من عام ولكن يصرفه حيث يشاء..) وذلك بعد أن أوحي له بذلك رب العزة الذي نزل من السماء بقدر فأسكنه في الأرض.
سؤال آخر يدغدغ عقولنا ثانية وهو:
لماذا لا يصل جو الأرض وسطياً سوى (1.36.10)24 حريرة/سم2/سنة، مع أن طاقة الشمس الحرارية عظيمة هائلة كما أبنت سابقاً؟
إني أرى أن الإجابة تكمن في الآية الكريمة القائلة: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (لقمان: 29).
لنتوقف قليلاً عند كلمة (سخر) لنرى معانيها وأبعاد هذه المعاني.
لقد أورد علماء التفسير في تفاسيرهم(7) معاني محددة للكلمة تتمثل في: طوع، ذلل، أخضع وكلها ترجمات صحيحة للكلمة وفي معاجم اللغة تصادف معنى أخوا إضافة لما سبق وهو العمل بلا أجر وبدون مقابل، وكلنا يعرف مدلول كلمة السخرة.
في الواقع نستشف كل المعاني السابقة في كلمة سخر، فالله ـ جل جلاله ـ طوع وذلل وأخضع الشمس لخدمة الأرض ومن عليها بلا مقابل ولا أجر يدفعه أهل الأرض لمالك الأرض والسماء.
ولنرى الآن الكيفية التي تمت فيها عملية التسخير هذه:
1 ـ لقد وضع الله الأرض في بعد معياري مثالي (وكذلك الشمس) بالنسبة للشمس، والذي يعادل وسطياً (150 مليون كم)، الأمر الذي نتج عنه:
أ ـ توفير الإضاءة والطاقة المعيارية المناسبة للأرض، ولقد أشرت إلى ذلك آنفاً، وأضيف بياناً لما ذكرته، أن كوكب عطار لا يبعد عن الشمس سوى (58) مل كم، وعليه تصله من الطاقة الحرارية الشمسية سبعة أضعاف ما يصل إلى الأرض تقريباً، لذا كثيراً ما تتجاوز حرارته نهاراً (400) درجة(8)، ونفس الشيء بالنسبة لكوكب الزهرة الذي يبعد عن الشمس (108) مل. كم الذي تبعا لذلك تصله ضعف الطاقة الحرارية الشمسية الذاهبة إلى الأرض، ونقيضاً لما ذكرته نجد أن كوكب المريخ وهو الأشبه بالأرض ولكنه الأكثر بعداً عن الشمس (220 مل.كم) نصيبه من الطاقة الشمسية لا يتعدى (57%) من الطاقة الشمسية البالغة كوكب الأرض، لذا فإن درجات الحرارة في سطح المريخ، أدنى من الصفر دائماً.
ب ـ لقد سمح البعد المعياري للشمس ببقاء الأرض في مدارها الحالي وفي الحفاظ على هويتها الكوكبية المميزة (ماء ـ كائنات حية ـ ظروف طبيعية مثالية). فلو كانت أقرب لأضحت في شكلها وخصائصها مضارعة لكوكبي عطارد والزهرة، ولو بعدت عن الشمس أكثر لأصبحت مشابهة لكوكب المريخ، وفي جميع الأحوال ستتبدل الأرض إلى غير الأرض.
ج ـ لقد ساعد البعد المعياري هذا على بقاء القمر تابعاً للأرض يدور في فلكها وهو كما نعلم قنديل الأرض وتقويمها الزمني: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس: 5).
2 ـ لقد أدى واقع البعد المعياري لكل من كتلتي الشمس والقمر إلى تحقيق أمور غاية في الأهمية بالنسبة للأرض:
1 ـ ظهور الميل المحوري للأرض، فكما نعلم محور دورانها حول نفسها ليس عمودياً بالنسبة لمساره في مداره (Orbit) بل نواه يميل بمقدار (23.27) درجة ولهذا الميل أثر عظيم على مظهر الأرض الخارجي وخصوصيتها الطبيعية وعلى كمية الأشعة الشمسية الواصلة إلى سطحها وجوها:
1 ـ لقد حددت درجة ميل المحور كمية الأشعة والطاقة الشمسية المقدار الأمثل من الطاقة المناسبة والضرورية لسطح الأرض ولمن يحيا فوقها، فالطاقة التي تصل إلى سقف الغلاف الجوي أكثر مما تحتاجه الأرض فعلياً وبخاصة في العروض الجغرافية العليا (المتوسطة وشبه القطبية والقطبية).
2 ـ سمح الميل المحوري المذكور بظهور الفصول الأربعة بوضوح ومعروف جغرافيا أهمية الفصول إشعاعياً حرارة ورطوبة.
3 ـ توزعت الحرارة نطاقياً على سطح الأرض(9)، لذا ظهرت النطاقات الحرارية ومن ثم النطاقات الطبيعية التي تتدرج في حرارتها من النطاق الاستوائي حيث سقوط الأشعة عمودي على سطح الأرض إلى النطاق القطبي البارد دائماً لأن خطوط الأشعة الشمسية تمس الأرض مسا فلا تحمل معها إلا اليسير جداً من الطاقة إلى هذا النطاق، وبين النطاقين المذكورين نرى النطاق المداري ثم شبه المداري والمتوسط، وبالواقع تكمل النطاقات مجتمعة بعضها البعض لترسم لوحة المظاهر الطبيعية الحية والجامدة فوق الأرض.
4 ـ انقسمت الأرض إلى نصفين متضادين حرارياً وإشعاعياً: نصف شمالي (شمال خط الاستواء) وآخر جنوبي. وشتاء النصف الشمالي يقابله صيف النصف الجنوبي وبذلك يتحقق توازن حراري وإشعاعي على سطح الأرض ولن يحدث شذوذ حراري ارتفاعاً وانخفاضاً يخل بالواقع الحراري الأرضي السطحي.
5 ـ عمل الميل المحوري للأرض على تباين طول الليل والنهار ما بين خط الاستواء والقطبين فهما متساويان في النطاق الاستوائي دائماً ولكنهما مختلفان طولاً كلما اقتربنا من الدائرة القطبية، إذ يختفي الليل في الانقلاب الحراري الصيفي في القطب الشمالي بينما لا نري النهار في القطب الجنوبي. ويحدث العكس بين القطبين في الانقلاب الحراري الشتوي، وبالطبع سيؤثر هذا الواقع على قيم الإشعاع والحرارة ما بين الاستواء والقطبين، وسبحان من قال: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ) (إبراهيم: 33).
ب ـ أدى البعد المعياري لكتلتي الشمس والقمر عن الأرض إلى ظهور رد فعل أرضية مناسبة ومتوازنة مع قوة جذب الجرمين المذكورين وذلك على شكل قوة نابذة متعاكسة في اتجاهها مع القوة الجاذبة الشمسية القمرية، وردة الفعل هذه الناجمة عن حركة الأرض الدورانية قد حققت ثبات سير الأرض في مدارها المعروف حول الشمس وحددت سرعة حركتها والمقدرة وسطياً بـ (29.8)كم/ثانية، مما أدى إلى انتظام طول السنة (365 يوماً ونيف) واليوم (24) ساعة، وإذا ما عدنا إلى كواكب عطارد والزهرة والمريخ نجد أن طول اليوم عطارد (176) يوماً أرضياً، بينما السنة لا تتجاوز (88) يوماً وبالنسبة للمريخ يكاد يكون طول السنة ضعف طولها في الأرض أي (678) يوماً... وهكذا بقية كواكب المجموعة الشمسية، وهذا التباين الكبير في طول كل من السنة واليوم في الكواكب الأخرى ومعياريته بالنسبة للأرض أحد الأسباب الأساسية في تباين واختلاف النظم الحرارية ما بين الكواكب هذه والأرض.
في الختام لا يسعني إلا أن أشير إلى أن الله جلت قدرته لم يكتف بتسخير الشمس والقمر بل إنه سخر الأرض ذاتها لساكنيها الأحياء لتكون لهم مستقراً وقراراً، وذلك بأن جعل تركيبها وتطبقها وطاقتها وكتلتها وحجمها معيارياً مما وفر للأرض:
1 ـ غلافاً جوياً مثالياً في تركيبه (آزوتي أكسجيني) وفي وزنه وسماكته مما أعطاه الفرصة لعكس وامتصاص قرابة (52%) من مجموع الأشعة الشمسية القادمة إلى الأرض، فحافظ بذلك على الظروف الحرارية والرطوبية الحالية.
ب ـ درعين واقيين يحميان أحياء الأرض من المواد والإشعاعات الشمسية والكونية القاتلة والدرعان هما:
1 ـ الساحة المغناطيسية وتمثل الخط الدفاعي الأول والبعيد عن الأرض.
2 ـ طبقة الأوزون القريبة من سطح الأرض (25 ـ 40 كم وسطياً).
ولا يسعني إلا أن أتم هذه الأسطر بقوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت: 61)، وقوله كذلك: (وَإن مِّن شَيْءٍ إلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) (الحجر: 21).
المصادر
أولاً: المصادر العلمية والتاريخية:
1 ـ ايفانوف ك. إ. وسواه. الهيدرولوجيا العامة. لينينغراد 1984م.
2 ـ شوبايف ل.ب ـ علم الأرض العام. موسكو 1969م.
3 ـ ماروف م. يا. ـ كواكب المجموعة الشمسية. موسكو 1988م.
4 ـ ما تفييف ل. ت. ـ فيزياء الجو ـ لينينغراد 1984م.
5 ـ مجموعة من العلماء ـ هيدرولوجيا اليابسة ـ موسكو 1986م.
6 ـ ميلكلوف ف. ت. ـ علم الأرض العام ـ موسكو 1990م.
7 ـ نيلكلو كوفال ن . ب. ـ علم الأرض العام ـ موسكو 1976م.
8 ـ الزايد سميره ـ الجامع في السيرة النبوية ـ دمشق 2000م.
ثانياً: التفسير:
1 ـ تفسير الطبري، ابن جرير. بيروت.
2 ـ تفسير فتح القدير، محمد علي بن محمد الشوكاني. عالم الكتب
3 ـ تفسير محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير، دار القرآن الكريم ـ بيروت 1981م.
4 ـ تفسير مختصر ابن كثير ـ تحقيق محمد علي الصابوني، دار القرآن الكريم ـ بيروت 1979م.
ثالثاً: كتب السنة الشريفة:
1 ـ دليل الصالحين ـ محمد بن علان الصديقي. المكتب العلمية ـ بيروت 1989م
2 ـ رياض الصالحين ـ الإمام النووي . مؤسسة الرسالة 1991م
الهوامش:

(1) ميلكو ف .ق ـ علم الأرض العام موسكو 1990
(2) مجموعة من العلماء . هيدرولوجيا اليابسة ـ موسكو 1986
(3) ايفانوف ك. إدسواه. الهيدرولوجيا العامة ـ لينينغراد/ 1984
(4) ماتفييف ل. ت. فيزياء الجو. لينينغراد/ 1984
(5) يختلف هذا الرقم قليلاً من عالم إلى آخر والمهم في جميع الأرقام نرى تماثلاً في قيم التبخر والهطول السنوي.
(6) نيكلوكوفا ن. ب. علم الأرض العام ـ موسكو/ 1976
(7) تفسير الطبري، وابن كثير والصابوني... الخ
(8) ما روف يام كواكب المجموعة الشمسية موسكو/ 1988
(9) شوبايف ل ب ـ علم الأرض العام موسكو/ 1969

الناصية ووظيفة الفص الجبهي للدماغ.. دراسة إعجازية لسورة العلق

| 0 التعليقات


أ.د محمد يوسف بكر



ورد في القرآن الكريم ذكر الناصية - وهي مقدمة الرأس أو الجبهة _ في آيتين من سورة العلق، وربطت الأولى منها بين الناصية والتحكم في اتخاذ القرار، في قوله تعالى: {.. لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيةِ}(سورة العلق:15). ووصفت الآية الثانية، ذات الناصية بالكذب والخطأ في قوله تعالى: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئةٍ} (العلق: 16). ووصفتها آية أخرى بأنهامكان القيادة في المخلوق الحي وبها جماع أمره كله، قال تعالي: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ( هود:56). كما أشارت إلى هذا المعنى آيات أخرى وأحاديث نبوية كريمة.
الجانب التفسيري:
وبعد مراجعة أقوال اللغويين والمفسرين لهذه النصوص ظهر لنا أنها تشير إلى الحقائق التالية:-
1- وصف ذات الناصية وصفا حقيقيا بالكذب والخطأ، فمعنى ناصية كاذبة خاطئة: أي كاذبة في قولها خاطئة في فعلها(تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن السعدي)، أي أن القدرة على التحكم في الأقوال بجعلها كاذبة أو صادقة والقدرة على التحكم في الأفعال بجعلها خطأ أو صواب وصف لازم من أوصاف الناصية، وهذا الوصف وإن كان واردا للناصية - التي تعنى مقدم الجبهة - إلا أنه لا يوصف بهذه الأوصاف على الحقيقة ؛ لأنه جزء عظمى من الرأس فعند التحقيق بدراسة التركيب التشريحي لمنطقة أعلى الجبهة وجد أنها تتكون من أحد عظام الجمجمة المسمى بالعظم الجبهي (frontal bone) ويستتر خلفه محميا به أحد فصوص المخ المسمى بالفص الجبهي ( Front lobe) وبهذا يمكن القول بأن الناصية كما تطلق على العظم الجبهي، يمكن أن تطلق أيضا على ما يستتر خلفه من الفص الجبهي للدماغ، حيث إنه الجزء والمكان الذي يمكن أن يوصف بهذه الأوصاف وصفا حقيقيا، ويتحقق العمل فيه بظاهر النص من غير حاجة إلى تأويل أو مجاز، وتعبير إسناد الوصف أو الفعل لشئ والمراد ما فيه تعبير شائع في القرآن الكريم، ولا أدلّ على هذا من قوله تعالى ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَالّعِيْرَ الّتِيَ أَقْبَلْنَا فِيهَا ) [يوسف آية 82 ] فلا يوجه السؤال إلى مباني القرية أو إلى ذوات العير، وإنما للناس داخل هذه القرية والمصاحبين منهم لهذه العير كما أن مفهوم النص في قوله تعالى: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) وقول النبي(صلى الله عليه وسلم) في الحديث (ناصيتي بيدك ) يؤكد هذا المعنى حيث تشير النصوص إلى أن الجزء المختص بقيادة الدواب كلها وتوجيهها- وعلى رأسها الإنسان ـ يخضع لهيمنة الله وسلطانه. وهذا الجزء لابد أن يكون في الدماغ حيث هو العضو المختص بتسيير شئون الدواب والسيطرة على تصرفاتها. وبما أن النصوص سمت هذا الجزء بالناصية فلابد أن يشمل الجزء الأمامي من الدماغ الذي يقع خلف مقدمة الرأس.
بناء على ذلك فإن مفهوم النصوص يتيح لنا أن نقول بأن الناصية بما تحوى من الفص الجبهي للدماغ هي مكان القيادة والتوجيه للسلوك والتصرفات الإنسانية.
2- حرية الاختيار متاحة للإنسان وهي مرتبطة كما يفهم من الآية بالناصية، أي بالفص الجبهي للدماغ، فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يمكن أن يتحكم في سلوكه وفق ضوابط التصرفات القولية والفعلية - من الصدق والكذب والخطأ - لذا قال ربنا سبحانه: (لئن لم ينته لنسفعن بالناصية) أي لئن لم ينته عما يقول ويفعل وينزجر، لنأخذن بناصيته أخذاً عنيفاً. وربما يشير هذا التهديد بقطع أو فصل الناصية، لأن السفع هو الجذب الشديد.
الجانب العلمي:
هذه هي الحقائق المفهومة من النصوص، فماذا قال العلم الحديث عن ناصية الإنسان والحيوان ؟ يظهر العلم الحديث عدة حقائق عن ناصية الإنسان ودماغه يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1- دماغ الإنسان هو الأضخم: يعتبر دماغ الإنسان من وجهة النظر التشريحية، أضخم ما في مملكة الحيوان بالنسبة لوزن الجسم، لكن هناك ثلاثة حيوانات فقط تتمتع بأكبر وزن مطلق للمخ وهي: الحوت والفيل وخنزير البحر.
2- الفص الجبهي أكبر فصوص الدماغ: يتكون دماغ الإنسان من عده فصوص: الفص القذالى والجدارى والصدغى، وكما نرى في شكل (لسان العرب 15/327) فإن الفص الجبهي هو أكبرها على الإطلاق.
3- قشرة المخ هي الوزن أو الحجم الأكبر في الدماغ: يتكون حجم أو وزن دماغ الإنسان إلى حد كبير من المخ ( Cerebrum ) وعلى الأخص قشرة المخ (Cerebalcortex)، والتي يمثل الجزء الأكبر منها مناطق الربط الثلاث: منطقة الربط الجدارية الصدغية القذالية، ومنطقة الربط الصدغية، ومنطقة الربط الجبهية (شكل 1)

وتتكون النسبة الكبرى من مناطق الربط هذه من قشرة الفص الجبهي وامتدادها المباشر من قشرة المنطقة قبل الحركية ( Premotorarea)،وقشرة المنطقة الحركية الإضافية (Supplementary motor area ).
4- يمتلك الإنسان قشرة مخ شاسعة بالنسبة للحيوان، خاصة قشرة الفص الجبهي: يختلف دماغ الإنسان عن دماغ الحيوان من الناحية الشكلية، حيث تتسع مساحة قشرة المخ، وخاصة قشرة الفص الجبهي، كما يزداد حجمه، أما لدى معظم الحيوانات فيتكون الفص الجبهي إلى حد كبير من قشرة الشم، التي تعدو لدى الإنسان أن تمثل جزءاً صغيراً إذا ما قورنت بالأجزاء الكبرى من قشرة الفص الجبهي انظر الشكل 2.

5- قشرة الدماغ الحوفية التي تتحكم في الوظائف الغريزية أكبر في الحيوان منها في الإنسان: وهناك أيضا ميزة شكلية أخرى هامة تتعلق بحجم قشرة الدماغ الحوفية، والتي تتحكم في الوظائف الحركية الغريزية أو الانعكاسية، مقارنة بقشرة المخ الحديثة ( Neo Cortex ) وهذا يقدم لنا الدليل على أن التحكم في الوظائف الحركية لدى الحيوانات يكون إما انعكاسياً أو موجهاً بالغرائز، أما في الإنسان فتخضع وظائفه الحركية وتصرفاته للوعي والإدراك الموجه من قبل مساحة قشرة الدماغ الشاسعة.
6- تكوين الألفاظ المنطوقة يقع في الفص الجبهي: إن التحكم في اختيار وتكوين الكلمات استعداداً للنطق بها يظهره شكل 3، حيث تختار الألفاظ في منطقة التلفيف الزاوي ثم تكون الألفاظ أو الكلمات المنطوقة في منطقة (بروكا) في الفص الجبهي الواقعة أمام الجزء الأسفل من القشرة الحركية (Primary Motor Cortex ) التي تتحكم في الأعضاء المتعلقة بالنطق، وهذا يدل على أن مفتاح التحكم في الكلمات المنطوقة هو في الفص الجبهي، للمخ أي في الناصية، لذلك فليس كل الألفاظ التي ترد إلى الذهن تظهر على اللسان، وذلك لمرورها على مركز تكوين الكلمات في الناصية، لذا فالإنسان محاسب ومسئول عما ينطق به لسانه طالما يستطيع التحكم في اختيار الألفاظ وأعضاء النطق وعلى رأسها اللسان. وقد أشار النبي إلى هذه الحقيقة بقوله: " فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا........" الحديث.
7- التوجيه الإرادي للنظر في اتجاه محدد يقع في الفص الجبهي: وهناك أيضا في الفص الجبهي ما يماثل منطقة (بروكا) من تلفيف القشرة الحركية وهي منطقة تختص بتحريك العينين ومنطقة فوقها تختص بتحريك الرأس في حركة دائرية وكلا المنطقتين توجه وتركز النظر في اتجاه معين وفق حركة إرادية. وهاتان المنطقتان توجهان قشرة الحركة الأولية (Primary Motor Cortex ) لإدارة الرأس وتركيز العينين في اتجاه محدد. إذاً فالتوجيه الإرادي للنظر يقع في الفص الجبهي أو الناصية، وهذا يتوافق مع ما أشار إليه النبي في حديث المؤاخذة على النظر المحرم للمرأة حين قال لعلى رضى الله عنه: " يا على لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة "( رواه الترمذي ج 5/101 وقال حسن غريب) وفي رواية قال:" النظرة الأولى لك والآخرة عليك " (رواه الطحاوي في شرح معاني الأثار ج 3/15 وهو حديث حسن) فالأولى فجائية ليس فيها تركيز وتوجيه، وإنما تقع المؤاخذة على النظرة الثانية الإرادية المحددة والموجهة.
8- التحكم الإرادي لحركة جميع أجزاء الجسد يقع في الفص الجبهي: أثبتت الأبحاث أن المنطقة الحركية الإضافية والمنطقة قبل الحركية تعملان باعتبارهما منشئتين للوظيفة الحركية، وتخزنان برامج الحركة التي تعتبر جزءا من التخطيط الخاص بتحكم مجموعة معينة من العضلات على القيام بحركة طوعية، لذلك فإنه يمكن الاستنتاج أنه كما هو الحال فيما يتعلق بالنطق واختيار الألفاظ وتحريك الرأس والعينين ؛ فإن قشرة الفص الجبهي أو الناصية هي المختصة بالتحكم الواعي للقيام بعمل طوعي أو عدم القيام به، مما يتطلب تحريك بعض أو كل أجزاء الجسد.
9- التناسق بين حركة النطق وحركات الجسم يقع في الفص الجبهي: إن احتواء الفص الجبهي للمنطقة الحركية الإضافية والمنطقة الحركية الأولية تشير إلى التناظر ما بين منطقة (بروكا) المتعلقة بالسيطرة على النطق من جهة، ومناطق تحريك الرأس والعينين وبين المنطقة ما قبل
الحركية المتعلقة بالسيطرة على الوظائف الحركية الأخرى، تؤدى إلى التصرفات الطوعية لسائر أعضاء الجسد مما يؤكد أن التناسق بين حركة النطق والنظر وحركات الجسم المختلفة يقع في الفص الجبهي أو الناصية شكل 4.
10- قشرة المخ في الفص الجبهي تتحكم في سلوك الإنسان: ولتأكيد هذا الاستنتاج نجد أن عدم وجود معظم قشرة الفص الجبهي في الحيوانات يظهر أثره في السلوك الحيواني، فحاسة الشم تثير السلوك الجنسي مباشرة، وكذلك السلوك الغذائي والنشاط الحركي المتعلق بهذه الوظائف، أما بالنسبة للإنسان فلابد من اعتبارات ومعلومات تم تخزينها وترسيخها مسبقاً في وظائف قشرة الدماغ، خاصة في مناطق الربط، بالإضافة إلى الوظائف الحوفية الغرائزية، قبل أن يقع السلوك الجنسي أو الغذائي أو أي سلوك أخر، مع ما يتبع ذلك من القيام بأعمال حركية أخرى بالأيدي أو الأرجل أو أي أجزاء أخرى من الجسم كحركة العين للرؤية، وحركة اللسان بالنطق، وهكذا يكون الخيار بالقيام بعمل أو عدم القيام به مركوزاً في مناطق الحركة الإرادية في الفص الجبهي ذو المساحة الشاسعة من قشرة الدماغ، خاصة في مناطق الربط فيه.
11- السلوك الغريزي والسلوك المكتسب: يمكننا بعبارات تواكب عصر الحاسوب وصف السلوك الغريزى بالبرامج الداخلية التكوين التي تحركها منبهات محددة، ووصف السلوك المكتسب بالبرامج الخارجية للحاسوب.
ويتمثل السلوك الغريزي بوضوح في سلوك الحيوانات ؛ حيث تثير – كما ورد سابقاً – حاسة الشم السلوك الجنسي مباشرة وكذلك السلوك الغذائي والنشاط الحركي المتعلق بهذه الوظائف. والدليل على ذلك كبر حجم قشرة الدماغ الحوفية (Limic cortex ) مقارنة بقشرة المخ الحديثة ( New cortx ) في جميع الحيوانات السفلي حيث تمثل القشرة الحوفية الأجزاء من قشرة المخ وهذا يثبت لنا أن التحكم في الوظائف لأعضاء جسم الحيوان يكون إما انعكاسياً أو موجهاً بالغرائز إلى درجة كبيرة. هذا وقد أثبتت التجارب أن الدافع لسلوك الحيوان هو غريزي أو فطري بناء على معلومات مركوزة محددة في قشرة الدماغ الحوفية وقد تؤثر عليه بعض التجارب المكتسبة من البيئة وقد وجد بعض الباحثين أن الفئران التي تمت تنشئتها في ظلام تام منذ ولادتها استطاعت أن تتبين حجم الأشكال وبريقها بالقدر نفسه من الدقة التي ظهرت لدى فئران تم تنشئتها في ظروف طبيعية (مجلة العلوم العدد 8،9 (1995م) ص 43،44) لذلك فإن المعلومات الغريزية هي العامل الرئيسي الموجه للسلوك الحيواني.
 أما السلوك المكتسب فهو السلوك الذي توجهه معلومات مكتسبة من البيئة، تركزت في قشرة مخ الحيوان. وإذا نظرنا إلى قشرة المخ الإنساني نجد أن مناطق الربط فيها ( Association ) لما لها من سيطرة، ولما تقوم به في توظيف المعلومات الحسية، لتؤدى دوراً بارزاً ومهماً في إمكانات التعلم الهائلة لدى البشر، فهناك كم هائل من المعلومات المبرمجة والتي يتم اكتسابها إما من خلال الخبرات العشوائية المستمدة من البيئة، أو من خلال عملية التربية والبرامج الدراسية، وتعتبر مناطق الربط الجدارية الصدغية القذالية التي توجد غالباً في نصف المخ السائد (Categoric or domenant hemisphere) هي المختصة بعملية تعلم اللغات عبر حواس السمع والبصر ثم تنتقل هذه المعلومات المكتسبة من الألفاظ وسائر العلاقات المرئية من خلال التلفيف الزاوي (The angular gyrus) والحزمة المقوسة ( Arcuate fasciculus ) التي تقع تحته إلى منطقة (بروكا) في الفص الجبهي، والتي تقوم بتكوين الكلمات المنطوقة كما تنتقل الاستجابة النطقية عن طريق الحزمة المقوسة من منطقة (فيرنيكى) (Werniks area) الواقعة في أعلى التلفيف الصدغي والمسئولة عن فهم المعلومات السمعية والمرئية إلى منطقة (بروكا) أيضا الواقعة أمام الجزء الأسفل من القشرة الحركية والتي تتحكم في الأعضاء المتعلقة بالنطق (انظر شكل 3) وهكذا تنتقل جميع المعلومات المكتسبة والمفهومة بالتعلم بواسطة السمع والبصر إلى مركز التحكم النهائي في الفص الجبهي لاستخدامها في النطق بالألفاظ المناسبة.
 هذا وقد تمت دراسة منطقة المهارات الإدراكية (Congnitive Skills) ذات العلاقة بوظائف الرؤية والسمع وغيرها من الوظائف الحسية، وثبت ارتباطها وتأثيرها على الوظائف الحركية. وقد أولت البرامج التعليمية هذه الحقيقة اهتماماً كبيراً في تركيزها على تطوير المهارات الإدراكية والحركية معاً. كل ذلك يثبت أن السلوك الإنساني ليس كالسلوك الحيواني توجهه الغرائز فقط وإنما تسيطر عليه وتوجهه المعلومات والخبرات المكتسبة من البيئة لذلك فالسلوك الإنساني المكتسب قابل للتغيير والتطوير عكس السلوك الحيواني الغريزي. ويمتلك الإنسان المقدرة لإحداث هذا التغيير في سلوكه بناءاً على خصوصيته في اختيار معلوماته واكتساب خبراته وضبط سلوكه وفق معايير وقيم مكتسبة، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، وقد أثبت القرآن الكريم هذه الحقيقة وبين أنها قانون عام وسنة مضطردة في قوله تعالى:( إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) الرعد 11.
كما أشار القرآن الكريم إلى أن الأشياء المسموعة والمبصرة والمدركة بالفؤاد تصب كلها في محل التحكم في السلوك واتخاذ القرار التي تنبني عليها المسئولية في قوله تعالى:( إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولـَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) [الإسراء آية 36] وهذا يتوافق مع ما سبق من حقائق في هذا الموضوع.
إن الإنسان يكتسب في بيئته المعلومات التي توجه سلوكه وتصرفاته إما من برامج التربية والتعليم القائمة على الدين والأخلاق فينشأ الفرد بسلوك قويم وتصرفات رشيدة وفق صحة هذا الدين ورسوخ قيمه وأخلاقه في قشرة دماغه بغير معارضة لما فطر عليه من معلومات بدهية مركوزة فيه، أو يتلقى الإنسان معلوماته من مصادر لا تعتمد في برامجها النواحي الدينية والأخلاقية، فينشأ الفرد على اتباع الهوى والغرائز تحت شعار الحرية الشخصية، وأحياناً يتصرف هذا الإنسان بسلوك أدنى وأضل من سلوك الحيوان، وقد أثبتت الدراسات هذه الحقيقة فقد وجد أن المجتمعات التي تهمل فيها برامج التربية والتعليم الناحية الروحية ولا تهتم بالقيم الدينية اللازمة لتوجيه سلوك الإنسان ينشأ الفرد فيها وقد سيطرت ووجهت سلوكه الأهواء والغرائز والقيم المادية دون واعظ من الفطرة التي جبلت على الخير أو دين يهدى إلى الرشد.
هذا ويتوافق مفهوم السلوك الغريزي والسلوك المكتسب عند الإنسان - كما أثبته العلم - مع نصوص القرآن والسنة التي أشارت إلى هذه الحقائق منذ أربعة عشر قرناً من الزمان. فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وميزه بالعقل والإدراك وأودع فيه - بجانب غرائزه الحيوانية - قدراً من المعلومات الأساسية الهامة وسماها الفطرة، أو فطرة الإيمان كما قال تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) { الروم آية 30 }. وكما قال النبي (صلى الله علية وسلم) " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه... " (رواه البخاري) الحديث، وكقوله: " أصبحنا على فطرة الإيمان.... " الحديث، فالفطرة على الإيمان تمثل البرنامج الداخلي للدماغ التي تكون قاعدة ثابتة وراسخة من المعلومات المركوزة في نفس الإنسان، تجعله دائماً على استعداد للإيمان وطاعة الله، ما لم يشوش عليها أو تطمسها معلومات أخرى - مضادة لها أو متعارضة معها - مكتسبة من البيئة المحيطة، وهذا ما أشار إليه النبي في الحديث: " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "، وأشار إليه في الحديث الآخر: " إنى خلقت عبادى حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (فاجتالتهم: أي استخفوهم فذهبوا بهم وازالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في الباطل) عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطاناً "( رواه مسلم / حديث 63) الحديث.
بينما تمثل التعاليم التي أوحى الله بها إلى الأنبياء لتبليغها للناس برامج مكتسبة لضبط وتوجيه سلوكهم وهي التي فيها التكليف والاختيار وعليه الجزاء. قال تعالى: ( لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَـَكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ) [ المائدة أية 48].
إذن يمكننا أن نقول: بأن الوحي - الذي لم يتبدل ولم يتغير -والمتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، هو بمثابة برنامج مكتسب ومنهاج للتحكم أو السيطرة على تصرفات البشر أفراداً كانوا أو جماعة وأمماً، بما يحقق مصالحهم العاجلة والآجلة، وهذا ما يتوافق ومفهوم الآية الكريمة:(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) فكلمة الأمانة تعنى قبول التكليف بطاعة الله على أساس من حرية الاختيار المركوز في العقل الإنساني، حيث إن الإنسان هو المخلوق الذي وهبه الله هذه الخاصية في قدرته على النظر والتفكير والتأمل واتخاذ القرار وتحمل المسئولية عن جميع ما يقوم به من سلوك وتصرف - خيراً كان أم شراً - بناء على برنامج أساس مركوز في النفس الإنسانية وبرنامج آخر مكتسب لذلك يتوجب علينا نحن المسلمين بما نملك من قواعد الدين الصحيح في العقيدة والقيم والأخلاق، وبما نملك من رصيد كبير في التربية والتزكية والتي تشكل منهجاً متكاملاً يجمع شرائع الأنبياء جميعاً، منزلة من عند الله الخالق العليم الخبير تضبط سلوك الإنسان بالعدل وتوجه تصرفاته بالحكمة وتهديه بالحق إلى سواء السبيل، فتهذب غرائزه، وتحقق أمانيه ومصالحه، وتضفي على نفسه الرضا والطمأنينة، وتحميه من اليأس والقلق وجميع الآفات النفسية والجسدية. حري بنا نحن المسلمين أن نقدم لأنفسنا وللبشرية الشاردة ميثاقاً سلوكياً شاملاً لكافة أوجه الحياة، متمثلاً في تأصيل برامج تعليمية وتربوية ليس فقط لتنمية المهارات الإدراكية، والنفس حركية لكن لاتخاذ القرار الأمين الصالح في جميع التصرفات من الأقوال والأفعال محققين قول الله تعالى:(وَاللّهُ يَقُولُ الْحَقّ وَهُوَ يَهْدِي السّبِيلَ)[الاحزاب آية 4].
الأدلة العلمية في صحة هذه الحقائق:
أ‌- فصل أو تلف الفص الجبهي يؤدى إلى اضطراب الشخصية في الأقوال والأفعال: أثبتت الأدلة الإكلينيكية (السريرية) أن تلف الفص الجبهي أو فصله يؤدى إلى فقدان المريض التحكم في سلوكه الاجتماعي، والمقدرة على استعمال الألفاظ، مع تغييرات كبيرة في معالم الشخصية، حيث تنقص قدرته في التركيز وروح المبادرة والتحمل، وعلى حل المشكلات التي تحتاج لقدرة عقلية متميزة، وتتأثر قدرة المريض على الحكم على موقفه فيفقد الشعور بالمسئولية نحو نفسه كما تحدث بعض التغيرات العاطفية فيبدى المريض علامات الابتهاج والرضا عن النفس كما يفقد اهتمامه بمظهره الاجتماعي وقد يعانى من هبوط في المعايير الأخلاقية. وقد أخذ هذا كدليل قوي على وظيفة قشرة ما قبل الجبهة في التحكم في الجوانب الأكثر تعقيداً في السلوك البشرى.
ب‌- قياس تدفق الدم في قشرة المخ: أصبح من الممكن في السنوات القليلة الماضية قياس تدفق الدم في قشرة المخ أو أجزاء أخرى منه عن طريق النظائر المشعة والرنين المغناطيسى الوظيفي وقد استخدمت هذه الوسائل في دراسة الوظائف العليا للدماغ خاصة في مجال وظائف أجزاء الدماغ المختصة باللغة التي هي من خصائص الإنسان، وقد تبين من هذه الدراسات: أن الفص الجبهي يزداد تدفق الدم في عدة مراكز منه عند التفكر في معاني الكلمات، وعند النطق بها، بينما يزداد النشاط في مناطق الإبصار في مؤخرة الدماغ عند التعرض إلى بعض الحروف كشكل كلمة لا معنى لها (شكل 5 ).

الاستنتاج:
بناء على ما سبق نصل إلى الاستنتاج بأن التحكم في الحركات والأفعال الإرادية تكمن في الفص الجبهي وأن البرامج الحركية تزود بها القشرة الحركية من الفص الجبهي من خلال القشرة قبل الحركية. ومن المعروف أن قشرة الدماغ هي المكان الذي يقوم بجميع الوظائف الواعية أو الإرادية الحركية وعليه فإنه يمكن القول باطمئنان: إن قشرة الفص الجبهي هي المسؤولة عن إرسال القرار الحركي الإرادي لأجزاء الجسم. بما في ذلك حركة اللسان بنطق الألفاظ، وحركة الرأس والعينين لتركيز النظر في اتجاه وغرض محدد، بناء على ما ترسخ فيها من معلومات مسبقة والتي تتمثل في فطرة الله أو فطرة الإيمان، وما اكتسبته من معلومات خارجية أخرى لتوجيه وضبط السلوك والتصرفات. لذلك يمكن أن نقول: إن حمل أمانة التكليف أو حرية الاختيار للأقوال والأفعال تكمن في الفص الجبهي للمخ أو الناصية والله أعلم.
وجه الإعجاز:
أشار القرآن الكريم إلى أن ملاك أمر دواب الأرض كلها بما فيها الإنسان ومكان تسيير شئونها وقيادتها يكمن في ناصيتها في قوله تعالى: (ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها) ووصف الله سبحانه ناصية الإنسان بالكذب والخطأ ويتبع ذلك لزوماً وصفها بصفات الصدق والصواب وهذا الوصف وصف حقيقي للناصية بصفات سلوكية في قوله تعالى (ناصية كاذبة خاطئة) وقد ثبت في هذا البحث ان الفص الجبهي للدماغ يقبع داخل عظام ناصية الإنسان او مقدم جبهته تقع في مراكز التحكم في القيام بالحركات والأعمال الطوعية واختيار ونطق الكلمات، ومركز توجيه ونطق النظر في اتجاه مقصود ومحدد. كما ان مساحة قشرة الفص الجبهي تمثل المساحة الكبر من قشرة الدماغ كله، والتي تؤدي دوراً حيويًا بارزاً في التحكم الإرادي من خلال المعلومات والخبرات المختزنة فيها، بعد تحليلها واختزانها لمركز التفكير والعقل، والذي ثبت وجوده أيضاً في الفص الجبهي، واستطاع العلماء تصويره وتحديد مكانه. وبناء على ذلك يمكننا القول باطمئنان: إن القرآن الكريم أشار إلى دور الفص الجبهي في الدماغ الذي يقع داخل الناصية في توجيه السلوك الإنساني، بالتحكم في الأقوال والأعمال من خلال وجود مراكز تكوين الألفاظ والتحكم في الحركات المتعلقة بالنطق والنظر وجميع الحركات الإرادية لكل أجزاء الجسم، ووجود مساحة شاسعة من قشرة الدماغ في هذا الفص تتيح للإنسان تحصيل وتحليل المعلومات المكتسبة مما يحقق له خبرة كبيرة في اختيار الأقوال والأفعال وتوجيه السلوك بمساعدة مركز العقل والإدراك الموجود في هذا الفص، لذلك يمكن ان يشار إلى قشرة الفص الجبهي – لما فيها من هذه المراكز والإمكانات – بأنها المنطقة المسؤولة عما يصدر من الخطأ والصواب والصدق والكذب، وهذا الاستنتاج يتوافق مع نصوص القران والسنة التي أشارت بوضوح لهذا الوظائف للفص الجبهي للدماغ الكائن خلف الجبهة أو الناصية، وهو ما لم يكن معروفاً للعلماء في ذلك الزمان، ولم تكتشف هذه الحقائق ألا النصف الثاني من هذا القرن بعد التقدم الهائل في الأجهزة والدراسات العميقة في علم وظائف الأعضاء ووظائف الفص الجبهي وملفات الدماغ... اليس هذا دليلا اضافيا على ان محمد صلى الله عليه و سلم رسول من عند الله لا ينطبق الا بنور الله ووحيه، قال تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ. إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ. عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىَ ) (النجم 3-5).

المراجع:
1- القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الجامع لاحكام القرآن دار إحياء التراث.
2- ابن الجوزي الفرج بن عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي، زاد المسير في علم التفسير (1404-1984م) ط1 المكتب الإسلامي - بيروت.
3- أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي تفسير البحر المحيط (1403- 1983)ط2 دار الفكر - بيروت.
4- الطبرى (أبو جعفر محمد بن جرير جامع البيان عن تأويل آي القرآن (1405-1984)دار الفكر بيروت.
5- الشوكانى محمد بن على فتح القدير 1983م دار الفكر - بيروت.
6- عبد الرحمن بن ناصر السعدى تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1404 هـ الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – الرياض.
7- ابن كثير (أبو الفدا إسماعيل بن كثير ) تفسير القرآن العظيم دار المعرفة – بيروت

من أوجه الإعجاز العلمي في الصيام

الخميس، 19 يونيو 2014 | 0 التعليقات

د. عبدالجواد الصاوي

يعتقد كثير من الناس أن للصيام تأثيراً سلبياً على صحتهم، وينظرون إلى أجسامهم نظرتهم إلى الآلة الصماء، التي لا تعمل إلا بالوقود، وقد اصطلحوا على أن تناول ثلاث وجبات يومياً، أمر ضروري لحفظ حياتهم، وأن ترك وجبة طعام واحدة سيكون لها من الأضرار والأخطار الشيء الكثير كنتيجة طبيعية للجهل العلمي، بطبيعة الصيام الإسلامي وفوائده المحققة وفي هذه المقالة سنلقي الضوء على أوجه الإعجاز العلمي في الصيام.
الوجه الأول: الوقاية من العلل والأمراض:

أخبر الله سبحانه وتعالى أنه فرض علينا الصيام وعلى كل أهل الملل قبلنا، لنكتسب به التقوى الإيمانية التي تحجزنا عن المعاصي والآثام، ولنتوقى به كثيراً من الأمراض والعلل الجسمية والنفسية، قال تعالى: {
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون
} [ البقرة 183] وقال صلى الله عليه وسلم "
الصيام جنة
" أي وقاية وستر (الحديث رواه مسلم 2/807 رقم 163، وأحمد 2/283، والنسائي 4/163).
وقد ثبت من خلال الأبحاث الطبية بعض الفوائد الوقائية للصيام ضد كثير من الأمراض والعلل الجسمية والنفسية، منها على سبيل المثال لا الحصر:

1-     يقوي الصيام جهاز المناعة، فيقي الجسم من أمراض كثيرة، حيث يتحسن المؤشر الوظيفي للخلايا اللمفاوية عشرة أضعاف، كما تزداد نسبة الخلايا المسئولة عن المناعة النوعية (Tlymphocytes) زيادة كبيرة، كما ترتفع بعض أنواع الأجسام المضادة في الجسم، وتنشط الردود المناعية نتيجة لزيادة البروتين الدهني منخفض الكثافة (2- Riyad Albiby and Ahmed Elkadi, A Priliminary Report on efects of Islamic fasting on lipoproteins and immunity. the joumal of JMA vol 17. 188, page 84).

2-     الوقاية من مرض السمنة وأخطارها، حيث إنه من المعتقد أن السمنة كما قد تنتج عن خلل في تمثيل الغذاء، فقد تتسبب عن ضغوط بيئية أو نفسية أو اجتماعية، وقد تتضافر هذه العوامل جميعاً في حدوثها، وقد يؤدي الاضطراب النفسي إلى خلل في التمثيل الغذائي، وكل هذه العوامل التي يمكن أن تنجم عنها السمنة، يمكن الوقاية منها بالصوم من خلال الاستقرار النفسي والعقلي الذي يتحقق بالصوم نتيجة الجو الإيماني الذي يحيط بالصائم، وكثرة العبادة والذكر، وقراءة القرآن، والبعد عن الانفعال والتوتر، وضبط النوازع والرغبات، وتوجيه الطاقات النفسية والجسمية توجيهاً إيجابياً نافعاً.

3-     يقي الصيام الجسم من تكون حصيات الكلى، إذ يرفع معدل الصوديوم في الدم فيمنع تبلور أملاح الكالسيوم، كما أن زيادة مادة البولينا في البول، تساعد في عدم ترسب أملاح البول، التي تكون حصيات المسالك البولية(د. فاهم عبد الرحيم وآخرون. تاثير الصيام الإسلامي على مرضى الكلى والمسالك البولية، نشرة الطب الإسلامي، العدد الرابع - أعمال وأبحاث المؤتمر العالمي الرابع عن الطب الإسلامي - منظمة الطب الإسلامي، الكويت، 1407هـ - 1986، ص707-714).

4-يقي الصيام الجسم من أخطار السموم المتراكمة في خلاياه، وبين أنسجته، من جراء تناول الأطعمة، وبين أنسجته، من جراء تناول الأطعمة، وخصوصاً المحفوظة والمصنعة منها وتناول الأدوية واستنشاق الهواء الملوث بهذه السموم  (الصيام معجزة علمية. د. عبد الجواد الصاوي ص 1223، 144 - 1413هـ - 1992م ط 1 دار القبلة).

5-    يخفف الصيام ويهدئ ثورة الغريزة الجنسية، وخصوصاً عند الشباب، وبذلك يقي الجسم من الإضرابات النفسية والجمسية، والانحرافات السلوكية، وذلك تحقيقاً للإعجاز في حديث النبي صلى الله عليه وسلم "
يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء
" إذا التزم الشاب الصيام وأكثر منه وذلك لقوله النبي صلى الله عليه وسلم "
فعليه بالصوم
" أي فليكثر من الصوم المتواصل (K. Inesh, Beitins, Thomas, Badger et al (1981) Reproductive Function during Faasting -Men.J. of clin endocrin and Metabol. 53: 258 - 266) على الغدد الجنسية وكانت له نتائ إيجابية وسلط الضوء على وجه الإعجاز في هذا الحديث الشريف وقد وجد أن الإكثار من الصوم مع الاعتدال في الطعام والشراب، وبذل الجهد المعتاد يقترب من الصيام المتواصل، ويجني الشاب فائدته في تثبيط غرائزه المتأججه بيسر، كما لا يتعرض إلى أخطار هذا النوع من الصيام. وهذا البحث يجلي بوضوح الإعجاز في قول النبي صلى الله عليه وسلم  "
فإنه له وجاء
" من وجهين:
الأول: الإشارة إلى أن الخصيتين هما مكان إنتاج عوامل الإثارة الجنسية، حيث أن معنى الوجاء أن ترض أنثيا الفحل ( خصيتاه ) رضاً شديداً، يذهب شهوة الجماع، ويتنزل في قطعة منزلة الخصي (3) وقد ثبت أن في الخصيتين خلايا متخصصة في إنتاج هرمون التيستوستيرون (Testosterone) وهو الهرمون المحرك والمثير للرغبة الجنسية، وأن قطع الخصيتين (الخصي) يذهب هذه الرغبة، ويخمدها تماماً.

الثاني: إن الإكثار من الصوم مثبط للرغبة الجنسية وكابح لها، وقد ثبت في هذا البحث هبوط مستوى هرمون الذكورة ( التيستوستيرون)، هبوطاً كبيراً أثناء الصيام المتواصل، بل وبعد إعادة التغذية بثلاثة أيام، ثم ارتفع ارتفاعاً كبيراً بعد ذلك، وهذا يؤكد أن الصيام له القدرة على كبح الرغبة الجنسية مع تحسينها بعد ذلك، وهذا يؤكد فائدة الصوم في زيادة الخصوبة عند الرجل بعد الإفطار.

الصيام يقوي جهاز المناعة ويقي الجسم من تكون حصيات الكلى.
الوجه الثاني: { وأن تصوموا خير لكم }

بعد أن أخبرنا الله سبحانه وتعالى، وأخبرنا رسوله صلى الله عليه وسلم أن الصيام يحقق لنا وقاية من العلل الجسمية والنفسية، ويشكل حاجزاً وستراً لنا من عقاب الله، أخبرنا جل في علاه أن في الصيام خيراً ليس للأصحاء المقيمين فقط، بل أيضاً للمرضى والمسافرين، والذين يستطيعون الصوم بمشقة، ككبار السن ومن في حكمهم، قال تعالى{
أياماً معدودات في من كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون
} [البقرة: 184] أي فضيلة الصوم وفوائده (محاسن التأويل للقاسمي 2/87). وذلك لعموم اللفظ في قوله تعالى: {
وأن تصوموا خير لكم
}.
وقد تجلت هذه الفوائد واستقر خبرها في زماننا هذا، لمن أوجب الله عليهم الصيام، ولمن أطاقوه من أهل الرخص، الذين يستطيعون تناول وجبتي الفطور والسحور كالأصحاء.

بعض الأمراض الخطرة التي كان يخشى عليها من الصيام:

*كان وما زال الأطباء يعتقدون أن الصيام يؤثر على مرضى المسالك البولية، وخصوصاً الذين يعانون من تكوين الحصيات، أو الذين يعانون من تكوين الحصيات، أو الذين يعانون من فضل كلوي فينصحون مرضاهم بالفطر وتناول كميات كبيرة من السوائل.

وقد ثبت خلاف ذلك، إذ ربما كان الصيام سبباً في عدم تكون بعض الحصيات، وإذابة بعض الأملاح، ولم يؤثر الصيام مطلقاً حتى علي من يعانون أخطر الأمراض الجهاز البولي، وهو مرض الفشل الكلوي مع الغسيل المتكرر (3).

5-   كان يعتقد أن الفقدان النسبي لسوائل الجسم، وانخفاض عدد ضربات القلب، وزيادة الإجهاد أثناء الصوم يؤثر تأثيراً سلبياً على التحكم في منع تجلد الدم، وهو من أخر الأمراض، وقد ثبت أن الصيام الإسلامي لا يؤثر على ذلك في المرضى الذين يتناولون الجرعات المحددة من العلاج (Jalal Saour, Does Ramadan fasting complicate anticoagulant therapy ? Fasting: its efcts on health and diseases basic principles and clinical practice (Abstracts ) college of Medicine Kong Saud University. Riydh, December /1990. 5).

*ثبت أن الصيام لا يشكل خطراً على معظم مرضى السكر، إن لم يكن يفيد الكثيرين منهم (      Sulimami RA. Famuyiwa FO, Laagan MA. Diabetes mellitus and Ramadan fasting (1988): the need for critical appraisal. Diabetic Medicine 8:549-552.).

بعض الأمراض التي يعالجها الصيام
يعالج الصيام عدداً من الأمراض الخطيرة أهمها:

أ-     الأمراض الناتجة عن السمنة: كمرض تصلب الشرايين، وضغط الدم، وبعض أمراض القلب (3).

ب-    يعالج بعض أمراض الدورة الدموية الطرفية مثل: مرض الرينود (Raynaud’s disease )  ومرض برجر (S.M. Bakir (1991) Can fasting in Ramadan help in some periphral vascular diseases ? JIMA: VOL. 23: 163 - 164. ).

جـ-   يعالج الصيام المتواصل ( الطبي ) مرض إلتهاب المفاصل المزمن ( الروماتويد ) (A N N. Mariuden. 1. Trang. N venizelos, and pamblad. (1983) Neutrophil functions and clinical performance after total fasting in patients with rheumatis. Annals of rheumatic diseases. 42: 54 - 51).

د-      يعالج الصيام الإسلامي ارتفاع حموضة المعدة، وبالتالي يساعد في التئام قرحة المعدة مع العلاج المناسب (Muazzam MG., Ali M. N. and Husain A. (1963) Observations on the effects of Ramadan Fasting on Gasric acidity. The Meducus, 25:228. ).

هـ-   لا يسبب الصيام أي خطر على المرضعات، أو الحوامل، ولا يغير من التركيب الكيميائي، أو التبدلات الاستقلابية في الجسم عند المرضعات، وخلال الشهور الأولى والمتوسطة من الحمل.( Prentice, AM ; prentice, A, Lamb WH, Lunn PG: (1983) Austins, Hum Nutr clin Nutr 37 (4) 283 - 94. ).

فوائد أخرى تجنى بالصوم:

1-     يمكن الصيام آليات الهضم والامتصاص في الجهاز الهضمي وملحقاته، من أداء وظائفها على أتم وأكمل وجه، وذلك بعدم إدخال الطعام والشراب على الوجبة الغذائية، أثناء هضمها وامتصاصها.

كما يتيح الصيام راحة فسيولوجية للجهاز الهضمي وملحقاته، وذلك بمنع تناول الطعام والشراب لفترة زمنية، تتراوح من 9 - 11 ساعة بعد امتصاص الغذاء كما تستريح آليات الامتصاص في الأمعاء طوال هذه الفترة من الصيام (3).

وتتمكن الانقباضات الخاصة (Migrating Motor Complex )  بتنظيف الأمعاء، من عملها المستمر دون توقف (M.Y. Sukkar, H. A. El-Munshid & M.S. M. Ardawi 1993, “ Concise Human Physiology” Blackwell Scientific Publication, Oxford, pp 175 - 181).

2- يمكن الصيام الغدد الصماء ذات العلاقة بعمليات الاستقلاب، في فترة ما بعد الامتصاص، ومن أداء وظائفها، في تنظيم وإفراز هرموناتها الحيوية على أتم حال، وذلك بتنشيط آليات التثبيط والتنبيه لها يومياً، ولفترة دورية ثابتة، ومتغيرة طوال العام، وبالتالي يحصل توازن بين الهرمونات المتضادة في العمل، مثل هرموني: النمو والإنسولين، كهرمونات بناء من ناحية، وهرموني: الجلوكاجون والكوريتزول، كهرمونات هدم من ناحية أخرى، والذي يتوقف على توازنها الدقيق، تركيز الأحماض الأمينية في الدم، توازن الاستقلاب (3).

3-     ينشط الصيام آليات الاستقلاب أو التمثيل الغذائي في البناء والهدم للجلوكوز والدهون، والبروتينات في الخلايا، لتقوم بوظائفها على أكمل وجه.

4-     أما إذا اقتصر الجسم على البناء فقط، وكان همه التخزين للغذاء في داخله، فإن آليات البناء تغلب آليات الهدم، فيعتري الأخيرة - لعدم استعمالها بكامل طاقتها -، وهن تدريجي، تظهر ملامحه عند تعرض الجسم لشدة مفاجئة، بانقطاع الطعام عنه في الصحة، أو المرض، فقد لا يستطيع هذا الإنسان مواصلة حياته، أو مقاومة مرضه (3).

5-     يحسن الصيام خصوبة المرأة والرجل على السواء (Husan Nastrat and Mansour Suliman, Effect of Ramadan fasting on plasma progeserone and prolactin. Islamic international conferance on Islamic legalation & the Current Medical problms 2-3 Fib 987 Cairo - Egypt)) S.M.A. Abbas and A. H. Basalamah Effects of Ramadan Fast on Male Fertility (1986) , Archives of Andrology, 16: 161 - 166 ).

6-     يستفيد الإنسان من العطش أثناء الصيام استفادة كبيرة، حيث يساعد في إمداد الجسم بالطاقة، وتحسين القدرة على التعلم، وتقوية الذاكرة (3).

7-     تتهدم الخلايا المريضة والضعيفة في الجسم عندما يتغلب الهدم على البناء أثناء الصيام، وتتجدد الخلايا أثناء مرحلة البناء (3).

8-     كذلك فإن أداء الصيام الإسلامي طاعة لله وخشوعاً له، ورجاء فيما عنده سبحانه من الأجر والمثوبة، لعمل ذو فائدة جمة لنفس الإنسان وجسمه، حيث يبث في النفس السكينة والطمأنينة، وينعكس هذا بدوره على آليات الاستقلاب فيجعلها تتم في أوفق وأيسر وأنفع السبل، مما يعود بالنفع والفائدة على الجسم (3)

إن الصيام كاقتناع فكري وممارسة عملية، يقوي لدى الإنسان كثيراً من جوانبه النفسية، فيقوي لديه الصبر، والجلد، وقوة الإرادة، وضبط النوازع والرغبات، ويضفي على نفسه السكينة والرضا والفرح... وقد أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه " (1) متفق عليه.

9-     ثبت بالدليل العلمي القاطع أن الصيام الإسلامي ليس له أي تأثير سلبي على الآداء العضلي وتحمل المجهود البدني، بل بالعكس أظهرت نتائج البحث القيم الذي أجراه الدكتور أحمد القاضي وزملاؤه (دليل جديد على الإعجاز العلمي لحديث " صوموا تصحوا " وأية {
وإن تصوموا خير لكم
} بالولايات المتحدة الأمريكية أن درجة تحمل المجهود البدني وبالتالي كفاءة الآداء العضلي قد ازداد بنسبة 200% عند 30% من أفراد التجربة، و7% عند 40% منهم، وتحسنت سرعة دقات القلب بمقدار 9%، كما تحسنت درجة الشعور بإرهاق الساقين بقمدار 11%.( د. أحمد القاضي - معهد الطب الإسلامي للتعليم والبحوث - بنماسيتي - فلوريدا - الولايات المتحدة)

وهذا يبطل المفهوم الشائع عند كثير من الناس من أن الصيام يضعف المجهود البدني، ويؤثر على النشاط فيقضون معظم النهار في النوم والكسل.
الوجه الثالث: يسر الصيام الإسلامي وسهولته:

تشير الدراسات العلمية المحققة، في وظائف أعضاء الجسم، أثناء مراحل التجويع، إلى يسر الصيام الإسلامي وسهولته، تحقيقاً لقوله تعالى: {
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
} [ البقرة:185] وفي تفسير الآية قال الرازي: إن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر، وما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ما أوجب هذا القليل على المريض ولا على المسافر (التفسير الكبير للرازي 2/82 ط3 دار الباز).
كما يتجلى يسر الصيام الإسلامي في إمداد الجسم بجميع احتياجاته الغذائية، وعدم حرمانه من كل ما هو لازم ومفيد له، فالإنسان في هذا الصيام، يمتنع عن الطعام والشراب فترة زمنية محدودة، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وله حرية المطعم والمشرب من جميع الأغذية والأشربة المباحة ليلاً، ويعتبر الصيام الإسلامي بهذا تغييراً لمواعيد تناول الطعام والشراب فحسب فلم يفرض الله سبحانه الانقطاع الكلي عن الطعام لمدد طويلة، أو حتى لمدة يوم وليلة، تيسيراً وتخفيفاً على أمة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وقد تجلى هذا اليسر بعد تقدم وسائل المعرفة والتقنية في هذا العصر.

فقد قسمت المراجع الطبية التجويع إلى ثلاث مراحل: مرحلة مبكرة، ومتوسطة، وطويلة الأجل (J. Hywel Thomas and Brian Gillham, Will’s Biochemical Basis of Medicine - 2nd Edition, (1989), Landon. pp 97-114 , 272-79).

وتقع المرحلة المبكرة بعد نهاية فترة امتصاص آخر وجبة ( أي بعد حوالي 5 ساعات من الأكل ) وحتى نهاية فترة ما بعد الامتصاص والتي تتراوح مدتها حوالي 12 ساعة، وقد تمتد إلى 40 ساعة عند بعض العلماء، في هذه الفترة يقع الصيام الإسلامي كما يقع في فترة امتصاص الغذاء، وهذه الفترة من الانقطاع عن الطعام آمنة تماماً بالمقاييس العلمية، فالجلوكوز هو الوقود الوحيد للمخ، والدهون لا تتأكسد بالقدر الذي يولد أجساماً كيتونية بالدم أثناء هذه الفترة، كما لا يستهلك البروتين في إنتاج الطاقة بالقدر الذي يحدث خللاً في التوازن النتروجيني في الجسم. مما حدا ببعض العلماء أن يسقط فترة ما بعد الامتصاص من مراحل التجويع أصلاً، وهذه الحقيقة تجعل الصيام الإسلامي متفرداً في يسره وسهولته عكس مراحل التجويع الأخرى.

من خلال عرض الحقائق السابقة، ندرك أن مدة الصيام الإسلامي والتي تتراوح من 12-16 ساعة في المتوسط،  يقع جزء منها في فترة الامتصاص، ويقع معظمها في فترة ما بعد الامتصاص، ويتوفر فيها تنشيط جميع آليات الامتصاص والاستقلاب بتوازن، فتنشط آلية تحلل الجليكوجين، وأكسدة الدهون، وتحللها وتحلل البروتين، وتكوين الجلوكوز الجديد منه، ولا يحدث للجسم البشري أي خلل في أي وظيفة من وظائفه، فلا تتأكسد الدهون بالقدر الذي يولد أجساماً كيتونية تضر بالجسم، ولا يحدث توازن نتروجيني سلبي لتوازن استقلاب البروتين، ويعتمد المخ البشري، وخلايا الدم الحمراء، والجهاز العصبي، على الجلوكوز وحده للحصول منه على الطاقة بينما التجويع أو الصيام الطبي - القصير والطويل منه - لا يقف عند تنشيط هذه الآليات، بل يشتد حتى يحدث خللاً في بعض وظائف الجسم.

يعتبر الصيام الإسلامي تمثيلاً غذائياً فريداً، إذ يشتمل على مرحلتي البناء والهدم، فبعد وجبتي الإفطار والسحور، يبدأ البناء للمركبات الهامة في الخلايا، وتجديد المواد المختزنة، والتي استهلكت في إنتاج الطاقة، وبعد فترة امتصاص وجبة السحور، يبدأ الهدم، فيتحلل المخزون الغذائي من الجليكوجين والدهون، ليمد الجسم بالطاقة اللازمة، أثناء الحركة والنشاط في نهار الصيام (3).

لذلك كان تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم وحثه على ضرورة تناول وجبة السحور، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “
تسحروا فإن في السحور بركة "
متفق عليه.

وذلك لإمداد الجسم بوجبة بناء يستمر لمدة 4 ساعات، محسوبة من زمن الانقطاع عن الطعام، وبهذا أيضاً يمكن تقليص فترة ما بعد الامتصاص إلى أقل زمن ممكن، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على تعجيل الفطر حيث قال: "
لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر - متفق عليه
" وتأخير السحور فقد روى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "
تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قيل: كم كان بينهما ؟ قال خمسون آية
" (متفق عليه)
وهذا من شأنه تقليص فترة الصيام أيضاً إلى أقل حد ممكن، حتى لا يتجاوز فترة ما بعد الامتصاص ما أمكن، وبالتالي فإن الصيام الإسلامي لا يسبب شدة، ولا يشكل ضغطاً نفسياً ضاراً على الجسم البشري، بحال من الأحوال.

وبناء على هذه الحقائق يمكننا أن نؤكد أن الذي يتوقف أثناء الصيام، هو عمليات الهضم والامتصاص، وليست عمليات التغذية، فخلايا الجسم تعمل بصورة طبيعية، فخلايا الجسم تعمل بصورة طبيعية، وتحصل على جميع احتياجاتها اللازمة لها، من هذا المخزون بعد تحلله، والذي يعتبر هضماً داخل الخلية، فيتحول الجليكوجين إلى سكر الجلوكوز، والدسم والبروتينات إلى أحماض دهنية وأحماض أمينية، بفعل شبكة معقدة من الإنزيمات، والتفاعلات الكيمائية الحيوية الدقيقة، والتي يقف الإنسان أمامها مشدوهاً معترفاً بجلال الله وعلمه، وعظيم قدرته وإحكام صنعه.    فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم أن في الصيام وقاية للإنسان من أضرار نفسية وجسدية؟ ومن أخبره أن فيه منافع وفوائد يجنيها الأصحاء؟ بل ومن يستطيع الصيام من المرضى وأصحاب الأعذار !! ومن أخبره صلى الله عليه وسلم بأن الصيام سهل ميسور، لا يضر بالجسم ولا يجهد بالنفس؟ ومن أطلعه على أن كثرة الصوم تثبط الرغبة الجنسية؟ وتخفف من حدتها وثورتها خصوصاً عند الشباب !! فيصير الشباب آمناً من الاضطرابات الغريزية النفسية، ومحصناً ضد الانحرافات السلوكية !! وخصوصاً أنه نشأ في بيئة لا تعرف هذا الصيام ولا تمارسه.     " إنه الله.. آمنت بالله "

المريخ فـي أقرب مدى لـه من الأرض

| 0 التعليقات

د.حسن باصرة
إن الحركة من الوجه الآخر للحياة، فقد أودع المولى ـ عز وجل ـ في أجرام هذا الكون صنوفًا عديدة من أنواع الحركة المتقنة التي تدل على وحدانيته، فمن هذه الحركة ما يكون في الأرجاء البعيدة من الكون التي لا يمكن رصدها إلا بأجهزة حديثة، ومنها ما يكون مجاورًا لها، والملاحظ من قبل الأشخاص العاديين الذين يراقبون السماء. وتُعَدُّ الكواكب السيارة من أهم الأجرام ذات الحركة الملموسة، وهي التي تعرف بكواكب المجموعة الشمسية، وخاصة الخمسة التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة وهي: عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل.

وقد ورد وصف حركة هذه الكواكب في القرآن الكريم بقوله تعالى: (فَلآ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) وفي تفسير هذا قال سيد قطب ـ في ظلاله: (هي الكواكب التي تخنس، أي ترجع في دورتها الفلكية وتجري وتختفي، والتعبير يخلع عليها حياة رشيقة كحياة الظباء. وهي تجري وتختبئ في كناسها، وترجع من ناحية أخرى. فهناك حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب، وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حركتها، في اختفائها وفي ظهورها، في تواريها وفي سفورها، في جريها وفي عودتها، يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه).

شكل (1): كوكب المريخ وقد ظهرت عليه ملامح السطح بعد استخدام الوسائل الحديثة والتقنية المتطورة.

وقد وصف ابن عاصم الثقفي ـ وهو أحد علماء الفلك في القرن الرابع الهجري في كتابه الأنواء والأزمنة ـ حركة الكواكب، فقال: (بينا ترى أحدها في آخر البرج، إذْ كَرَّ راجعًا نحو أوّله، لذلك سميت بالمتحيرة تشبيهًا بالحيوان الذي لا يستقيم له جهة فهو يقبل ويدبر، وليس ذلك من حيرة بها، ولكن سميت بذلك على قدر ما يظهر للأبصار من حالها)، ويقول العالم ابن الأجدابي ـ ت 950هـ: (سميت الخمسة (عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل)، خُنّسًا لأنها تسير في الفلك من المغرب إلى المشرق، وذلك سيرها المستقيم، ثم تتقهقر راجعة في طريقها فتسير من المشرق إلى المغرب، فبينما يرى أحدها في آخر البرج، كر راجعًا نحو أوله، وكل من استمر في طريق ثم رجع فقد خنس، ولذلك سمي الشيطان ـ لعنه الله ـ خنّاسًا في سورة الناس لأنه يوسوس فإذا ذُكِر الله ـ عز وجل ـ خنس أي أدبر راجعًا، وقيل لها الكنّس لأنها تستتر بضياء الشمس كما تكنس الظباء (أي تدخل في الكنس وقت الهاجرة من شدة الحر).

حركة التقهقر والاسقامة لكوكب المريخ قبل وبعد الاستقبال

شكل(2): تغير موقع كوكب المريخ بالنسبة للخلفية النجمية خلال عدة أشهر تتضح فيها أنه كان يتحرك على خط مستقيم خلال الأشهر السابقة لأغسطس،

إذ ببدايته تظهر الحركة معاكسة أو تقهقرية لمدة شهرين، ثم تعود الحركة لتكون في الاتجاه الأول.

وبالتركيز على كوكب المريخ نجد أن ابن الأجدابي يقول عنه: (ويسمى بهرام، وهو كوكب أحمر شديد الحمرة. تقارنه الشمس من سنتين إلى سنتين ثم تفارقه. ويقيم تحت شعاعها مقدار شهرين، ثم يظهر بالغداة طالعًا من المشرق، وهو مستقيم السير. فلا يزال مستقيمًا حتى يصير بينه وبين الشمس أربعة أبراج وثلث. وذلك على مضي أحد عشر شهرًا ونصف من حين مفارقته الشمس. فإذا تباعدت الشمس عنه بهذا المقدار فهو حينئذ راجع. ويقيم في الرجوع ستة وستين يومًا. ثم يستقيم. فإذا مضى له أحد عشر شهرًا ونصف من يوم استقامته لحقته الشمس، كما يوضحه الشكل (2) للأشهر القادمة ـ بإذن الله ـ ومن الناحية التاريخية فقد قدر العالم الفلكي البتاني حجم جرم المريخ بأنه مثل جرم الأرض مرة وثلث تقريبًا، وقد قدر الفلكي الفرغاني بُعدَه عن الأرض في حالة الأوج بحوالي 8876 مرة قدر نصف قطر الأرض، وهذه التقديرات فيها بعض التقريب بحكم الوسائل المستخدمة في التوصل إليها.

كوكب الأرض ما بين الشمس والمريخ في وضع استقبال

شكل (3) نتيجة وجود مدار كوكب الأرض ضمن مدار كوكب المريخ ـ فإنه يمكن أثناء دورانهما حول الشمس أن يكونا والشمس على خط واحد

وهو وضع الاستقبال والذي سيكون ـ بمشيئة الله ـ في 27 أغسطس 2003م

وكوكب المريخ يلي الأرض في الترتيب بُعدًا عن الشمس ومتوسط بعده عن الشمس 228 مليون كيلومترًا، أي حوالي 1.52 وحدة فلكية، ويكمل دورته حول الشمس في مدة قدرها 687 يومًا. وتتراوح درجات الحرارة عليه بين 23 و101 درجة مئوية تحت الصفر. وسبب لونه الأحمر هو وجود أكسيد الحديد في تركيب سطحه. وتساوي عُشر كتلة الأرض، وقطره نصف قطر الأرض، ويساوي حوالي 6.794كم. ويحدث على المريخ ما يشبه الفصول الأربعة الأرضية، وذلك لأن وضع محور دوراته في الفضاء يشبه وضع محور دوران الأرض، مما يتسبب في ظهور قلنسوتين ناصعتي البياض على قطبيه، وذلك لتكون الجليد عليهما، كما أن مساحتهما تزداد وتنكمش مع فصول السنة. وتكون فترة كل فصل ضعف ما عليه الحال في الأرض، وذلك لأن المريخ يكمل دورته حول الشمس في مدة 1.88 سنة أرضية.

وكان هذا الكوكب مصدرًا لعدد من الأساطير والقصص الخيالية التي نسجت حوله؛ ففي بداية عصر المناظير وعند الحصول على أول تخطيط لسطحه واكتشاف علامات ممتدة ومعتمة عليه والتي فسرت بأنها قنوات تنقل المياه من الأقطاب المتجمدة إلى بقية أجزائه. وفي عام 1924م كان للمريخ وضع يجعله قريبًا نسبيٌّا مما حدا بالعالم (تود) بالتفكير في محاولة استقبال موجات لاسلكية منه، فطلب إيقاف البث في إذاعات العالم، لكن لم تنجح هذه المحاولة. ومع بداية عصر السفن والرحلات الفضائية توجه إلى المريخ عدد من المركبات منها ما دار حوله، ومنها ما هبط على سطحه لتحليل تربته وجوّه الغازي، الأمر الذي أزال كل الاحتمالات في وجود حياة أو قابلية سطح المريخ لاستضافة بني البشر للحياة عليه.

وأثناء دوران كل من المريخ والأرض في مدارين بسرعتين مختلفتين ـ فإن أوضاعهما بالنسبة للشمس تكون دائمًا متغيرة، وفي بعض الأحيان تكون الأرض بين المريخ والشمس كما يوضحه الشكل (3) وهو ما يطلق عليه (وضع استقبال)، وهو ما يحدث كل سنتين، كما اتضح من وصف ابن الأجدابي أعلاه، إذ في تلك اللحظة يكون المريخ في أقرب نقطة للأرض، ويكون مقابل الشمس، لذا فإنه يتوسط منتصف الليل، (ولو كنت من أهل المريخ ففي تلك اللحظة سترى الأرض وهي تعبر أمام قرص الشمس).

شكل (4) يحدث تكرار وضع الاستقبال لكوكب المريخ كل سنتين، ولأن مداره بيضاويٌّا فإن الاستقبال يحدث كل مرة عند بُعد مختلف مما يجعل حجم قرص الكوكب مختلف،

وفي الاستقبال الذي سيحدث هذه السنة سيكون المريخ في أقرب نقطة يقتربها من الأرض منذ قرون عديدة لذا فإن حجمه الزاوي يكون أكبر ما يمكن.

وعندما يحدث الاستقبال يكون بُعد المريخ عن الأرض نصف بُعد الأرض عن الشمس تقريبًا، لكن المسافة بينهما ليست ثابتة والسبب أن مدار المريخ حول الشمس بيضاوي، لذا فإن حجمه الظاهري سيختلف من استقبال إلى آخر، فقد كان بًعده في وضع الاستقبال سنة 2001 حوالي 67 مليون كيلو متر، بينما في سنة 2005 سيكون ـ بإذن الله ـ 69 مليون كيلومتر، أما الاستقبال الذي نحن بصده والذي سيحدث ـ إن شاء الله تعالى ـ يوم 27 أغسطس 2003م الموافق 29 جمادى الآخر، فسيكون بُعد الكوكب حوالي 54.5 مليون كيلومتر، مما يجعل لهذا التقابل تميز لأن هذه المسافة أقل ما يمكن حدوثه من عدة آلاف من السنين، ويقدر هذا التقارب بحوالي 30% من بُعد الأرض عن الشمس. لذا فإن قطر قرصه الزاوي سيصل إلى 25 ثانية قوسية، انظر الشكل (4) أي ضعف قطره في استقبال سنة 1995، وهذا الحجم المضاعف يصل إلى حوالي واحد في المائة من قطر الشمس، لذا فإن شدة احمرار ولمعان كوكب المريخ سيكون من السمات الواضحة له في السماء لمدة أسبوعين قبل وبعد 27 أغسطس، وسيتيح هذا الوضع الفرصة للراصدين مشاهدة بعض تفاصيل سطحه.

المراجع:

في ظلال القرآن: سيد قطب.

المنظومة الشمسية تراث تأسيس وحاضر مثير: عبدالأمير المرتضي المؤمن، 1997م.

الأزمنة والأنواء ومعرفة أعيان الكواكب: عبدالله بن حسين بن عاصم الثقفي (ت 403هـ)، تحقيق د. نوري حمودي القيسي، ومحمد نايف الديملي 1416هـ.

الأزمنة والأنواء: ابن الأجدابي (ت 905هـ) تحقيق د. عزة حسن 1964م.

الصيام الإسلامي سهل ميسور

| 0 التعليقات

أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن حقيقة علمية أخرى ، وهي أن الصيام الذي فرضه علينا ، وحدد لنا مدته الزمنية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، بأنه صيام سهل ويسير ، لا مشقة فيه ولا ضرر ، قال تعالى :)يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ( [البقرة: 185]
الدلالة النصية:
يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذا النص بأنه قد أوجب علينا الصيام على سبيل التيسير وليس فيه ما يشق علينا، ومن هنا قال الفخر الرازي في تفسير الآية : "إن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر ، وما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة ، ثم ما أوجب هذا القليل على المريض ، ولا على المسافر".
ومن ذلك أنه فرض علينا هذا الصيام كما أوجبه على أهل الملل قبلنا.
الحقيقة العلمية:
تشير الدراسات العلمية المحققة في مجال وظائف أعضاء الجسم أثناء مراحل التجويع، إلى يسر الصيام الإسلامي وسهولته، فالصيام الإسلامي صيام سهل ميسور للأصحاء المقيمين، لا مشقة فيه على النفس ، ولا ضرر يلحق الجسم من جرائه ، وذلك على وجه القطع واليقين. وتتمثل مظاهر يسر الصيام في النقاطالصيام سهل وميسرالتالية :
(1) يعتبر الصيام الإسلامي تمثيلا غذائيا فريداً ؛ إذ يشتمل على مرحلتي البناء والهدم ، فبعد وجبتي الإفطار والسحور، يبدأ البناء للمركبات الهامة في الخلايا ، وتجديد المواد المختزنة ، و التي استهلكت في إنتاج الطاقة ، وبعد فترة امتصاص وجبة السحور، يبدأ الهدم، فيتحلل المخزون الغذائي من الجليكوجين والدهون ، ليمد الجسم بالطاقة اللازمة ، أثناء الحركة والنشاط في نهار الصيام .
(2) يتراوح الصيام الإسلامي من 8 – 13 ساعة ، وهذه الفترة تقع على وجه القطع في الفترة التي سماها العلماء فترة ما بعد الامتصاص ، والتي تتراوح من 6 – 12 ساعة ، وقد تمتد إلى 40 ساعة ، ويعتبر العلماء هذه الفترة أمان كامل ، ولا يحصل منها أي ضرر على الإطلاق للجسم ، بل على العكس يستفيد الجسم منها فوائد عديدة .لذلك كان تأكيد ، النبي صلى الله عليه وسلم ، على ضرورة تناول وجبة السحور، لإمداد الجسم بوجبة بناء يستمر لمدة 4 ساعات ، محسوبة من زمن الانقطاع عن الطعام ، وبهذا أيضا يمكن تقليص فترة ما بعد الامتصاص إلى أقل زمن ممكن. كما أن حث النبي صلى الله عليه وسلم ، على تعجيل الفطر ، وتأخير السحور، بتقليص فترة الصيام أيضا إلى أقل حد ممكن ، حتى لا يتجاوز فترة ما بعد الامتصاص بوقت طويل ، وبالتالي فإن الصيام الإسلامي لا يسبب شدة ، ولا يشكل ضعفا نفسيا ضاراً على الجسم البشري، بحال من الأحوال.
عن أنس رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : »تسحروا فإن في السحور بركة « رواه البخاري ومسلم، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر« رواه مسلم.
(3) يوجد مخزون من الطاقة في الجسم البشري يكفي الإنسان حينما يمتنع عن تناول الطعام امتناعاً تاماً لمدة شهر إلى ثلاثة شهور، لا يتناول فيها أي طعام قط. وبناء على هذه الحقيقة يمكننا أن نؤكد أن ما يتوقف أثناء الصيام ، هي عمليات الهضم والامتصاص ، وليست عملية التغذية ، فخلايا الجسم تعمل بصورة طبيعية وتحصل على جميع احتياجاتها اللازمة لها ، من هذا المخزون بعد تحلله ، ولكن مع كل هذه الإمكانية الهائلة التي هيأها الله سبحانه للجسم الإنساني لحفظ حياته عند انقطاعه التام عن تناول الطعام ، فقد فرض علينا سبحانه وتعالى صياما لا ننقطع فيه عن الطعام إلا فترة زمنية لا تتعدى – في الغالب – نصف يوم ، فكم هي سهلة ميسورة يمكن أن يمارس فيها الصائم أشق الأعمال وأشدها من غير ضرر يلحق به ، أو حتى شدة يتعرض لها ، فالطاقة المحركة متوفرة وبكثرة ، وبناء الخلايا وتجديد التالف منها لن يتأثر مطلقا ، كما أن تناول الطعام في الفطور والسحور يجدد مخزون الطاقة التي استهلكت في العمل ، ويمد الجسم باحتياجاته من الأحماض الأمينية والدهنية الأساسية ، والتي لا يستطيع الجسم تصنيعها بداخله ، ويمده أيضا باحتياجاته اليومية من الفيتامينات والمعادن. وتأتي ضرورة الصيام للإنسان وقاية وعلاجا ، وتحقيقا لمنافع وفوائد شتى.
فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم أن في الصيام وقاية للإنسان من أضرار نفسية وجسدية ؟ ومن أخبره أن فيه منافع وفوائد يجنيها الأصحاء، ومن أخبره  صلى الله عليه وسلم بأن الصيام أمر سهل ميسور لا يضر بالجسم ولا يجهد النفس ؟ ومن أطلعه على أن كثرة الصوم تثبط الرغبة الجنسية وتخفف من حدتها وثورتها ، خصوصا عند الشباب ؟! فيصير الشاب بالصيام آمنا من الاضطرابات الغريزية النفسية ، ومحصنا ضد الانحرافات السلوكية ! ! إنه الله جل في علاه.
الصيام وقاية من العلل والأمراض:
هناك بعض الفوائد الوقائية للصيام من كثير من الأمراض والعلل الجسمية والنفسية ثبتت بالأبحاث العلمية، منها على سبيل المثال لا الحصر:
  1. يقوي الصيام فيقي الجسم من أمراض كثيرة، حيث يتحسن المؤشر الوظيفي للخلايا اللمفاوية عشرة أضعاف، كما تزداد نسبة الخلايا المسؤولة عن المناعة النوعية (T.Lymphocytes) زيادة كبيرة،  كما ترتفع بعض أنواع الأجسام المضادة في الجسم، وتنشط الردود المناعية نتيجة لزيادة البروتين الدهني منخفض الكثافة.
  2. الوقاية من مرض السمنة وأخطارها، حيث إنه من المعتقد أن السمنة كما قد تنتج عن خلل في تمثيل الغذاء، فقد تسبب عن ضغوط بيئية أو نفسية أو اجتماعية، وقد تتضافر هذه العوامل جميعها في إحداث السمنة، وقد يؤدي الاضطراب النفسي إلى الخلل في التمثيل الغذائي، وكل هذه العوامل التي يمكن أن تنجم عنها السمنة، يمكن الوقاية منها بالصوم، فهو يحقق الآتي: الاستقرار النفسي والعقلي، والذي يـجنيه الصائم نتيجة للجو الإيماني الذي يحيط به، وكثرة العبادة بالذكر، وقراءة القرآن، وتوجيه الطاقات النفسية والجسمية توجيهاً إيجابياً نافعاً، هذا فضلاً عن تأثير الصيام المثالي في استهلاك الدهون المختزنة، ووقاية الجسم من أخطار أمراض السمنة: كالأمراض القلبية الوعائية، مثل قصور القلب، والسكتة القلبية وانسداد الشرايين المحيطة بالقلب، ومرض تصلب الشرايين.
  3. يقي الصيام الجسم من تكون حصيات الكلى، إذ يرفع معدل الصوديوم في الدم، فيمنع تبلور أملاح الكالسيوم، كما أن زيادة مادة البولينا في البول، تساعد في عدم ترسب أملاح البول، التي تكون حصيات المسالك البولية.
  4. يقي الصيام الجسم من أخطار السموم المتراكمة في خلاياه، وبين أنسجته، من جراء تناول الأطعمة، خصوصاً المحفوظة والمصنعة منها، وتناول الأدوية، واستنشاق الهواء الملوث بهذه السموم.
  5. يخفف الصيام ويهدئ ثورة الغريزة الجنسية، خصوصاً عند الشباب، وبذلك يقي الجسم من الاضطرابات النفسية والجسمية، والانحرافات السلوكية، والإكثار من الصوم مع الاعتدال في الطعام والشراب، وبذل الجهد المعتاد، يجني الشاب فائدته في تثبيط غرائزه المتأججة بيسر.
منافع وفوائد الصوم:
أخبرنا الله جل في علاه أن في الصيام خيراً ليس للأصحاء، رخص للمرضى والمسافرين، وكبار السن ومن في حكمهم بالفطر في رمضان، قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾البقرة: 184، ومع ذلك لا يحجب عن عباده فوائد الصيام، حتى مع المشقة، وفي علاج العديد من الأمراض فقال تعالى: ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾البقرة: 184، أ تعلمون فضيلة الصوم وفوائده؟!!
وجه الإعجاز:
إن الله سبحانه أثبت لنا في هذا النص أن هذه المنافع والفوائد تجلت في زمناننا هذا للعلماء بعد قيامهم بتجارب ميدانية ومشاهدات سريرية مما ذكرنا من نتائجها قبل قليل، تتطابق دلالة النص الشرعي مع تلك الحقائق العلمية المستقرة.